Note: English translation is not 100% accurate
إن من البيان لسحراً
18 مايو 2013
المصدر : الأنباء
بقلم : لطيفة الفودري
بقلم لطيفة الفودري للبيان أثر لا يدانيه أثر، إنه سحر عجيب، يرفع ويخفض، يجرح ويأسو، يصنع الأعاجيب، إنه البيان والألفاظ وسحر اللغة الذي جعله المولى ـ عز وجل ـ على رأس نعمه التي مَنّ بها على خلقه من أمة الثقلين وقرنه بنعمة الخلق حيث قال: (الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان ـ الرحمن: 1 ـ 4).
وحسبك به من نعمة توصل إلى نعم كثيرة، البيان السحر الأكبر للإعجاز في القرآن والطريق الأرشد لتوصيل الإيمان، به سبيل لحمد الرحمن ولتواصل الإنسان وأرق وأجمل ما يمكن ان نعبر به عن مشاعر قلوبنا وخلجات الأرواح.
إن البيان إذا ما رضي، أرضى الناس جميعا، وداخل الضمائر والقلوب:
إذا ما صافح الأسماع يوما تبسمت الضمائر والقلوب
وإذا ما غضب أو سخط، أسخط كل من يسمعه، وخلف جرحا لا يندمل:
جراحات السنان لها التئام ولا يلتئم ما جرح اللسان
إنه الكلام الذي يمتزج بأجزاء النفس لطافة، وبالهواء رقة، وبالماء عذوبة، إذا ما سمعته فكأن السحر يدب في جسدك.
ولا غرو، فقد وصفه بذلك أفصح من نطق به، وهو رسولنا المعظم صلى الله عليه وسلم حيث قال: «إن من البيان لسحرا».
ثم أخذ ذلك ابن الرومي، فأضفى عليه مسحة من شاعريته، ليقول:
في زخرف القول تزيين لباطله والحق قد يعتريه سوء تعبير
تقول: هذا مجاج النحل تمدحه وإن ذممت تقل: قيء الزنابير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهما حسن البيان يري الظلماء كالنور
وقد نزل القرآن على أمة أمية ما تحسن شيئا إحسانها للبيان، وما تقدر شيئا تقديرها للكلمة الفصيحة، والشعر البليغ، والقول المؤثر، حتى لقد وصفت ـ أي أهل الجاهلية ـ بأنها أمة سجدت للبيان قبل أن تسجد للأوثان، وقد سمعنا بمن استهزأ بالأوثان، لكنا لم نسمع أبدا أن أحدا منهم استهزأ بالبيان.
وكان من تمام عنايتها بهذا البيان أن أقامت للشعر دولة، ناهيك بها من دولة وعقدت له أسواقا ومهرجانات أصبحت ملء السمع والبصر، وكرمت مبدعيه، ورفعت مكانتهم، حتى غدت القبائل تفتخر بمبلغ ما عندها من الشعراء والخطباء.
من أجل هذا أمر رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن يهز قلوبهم بقول بليغ، لا عهد لهم به، فقال عز من قائل: (وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ـ النساء: 63)، فلما سمعوا هذا القول، طربت آذانهم، وانقادت له قلوبهم، حتى إن كبراءهم وسادتهم خافوا على أنفسهم، وعلى غلمانهم من تأثير القرآن ووقعه، فنهوا عن سماعه، (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ـ فصلت: 26).
بل لقد قال بعضهم في وصفه كلمات سطرها التاريخ بأحرف من نور، من مثل قول الوليد بن المغيرة: «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر»، إثر سماعه الرسول يتلو قوله ـ جل وعلا: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ـ النحل: 90).
ووصل الأمر بلبيد الشاعر أن كف عن قول الشعر بعد أن كان من فحول الشعراء، ومن أصحاب المعلقات، وفي هذا يقول شيخنا الفرفور:
أتيتهم بكتاب الله معجزة
أخجلت قسا وسحبانا وحسانا
ألقى لبيد عصاه حين أعجزه
قول بليغ بآيات لعمرانا
ولم تجد بعد في شعر قريحته
شتان شعر وآي الله شتانا
ذاك البيان الذي تبقى عجائبه
رغم الأنوف وإن شانوه بهتانا
أخيرا وليس آخرا عزيزي القارئ، أتقن بيانك وحصن لسانك ستجد لك سحرا تأسر به قلوب أعدائك قبل أحبابك.