Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
لبنان: حكومة الضرورة
24 يونيو 2011
المصدر : الأنباء
د.ناصر زيدان ـ بيروت
منذ أن حدث التحول السياسي الكبير في لبنان، قبل حوالي 5 أشهر، انتظر اللبنانيون تأليف الحكومة، وكرّت سبحة الاتهامات بعرقلة التشكيل. مرة ألقيت المسؤولية عن التأخير على فريق 14 آذار، لتريثه بإعطاء جواب عن إمكانية المشاركة فيها، ومرة تلقى المسؤولية على الرئيس نجيب ميقاتي، ومرة أخرى على العماد ميشال عون، ومرة على سورية، ومرة أخرى على الولايات المتحدة الأميركية، وفي الفترة الأخيرة كانت المسؤولية برمتها تلقى على حزب الله.
أخيرا أبصرت الحكومة النور، وأعلنت التشكيلة، وهي تضم وزراء من مختلف الانتماءات السياسية التي تدور في فلك الأكثرية الجديدة. 21 وزيرا من أصل 30 من خريجي الجامعات الأميركية والفرنسية، منهم السياسي المحنك من الصف الثاني، ومنهم الأكاديمي، ومنهم من تغلب عليه سمة التكنوقراط.
ليسوا أبدا من الأسماء الفاقعة، او الأسماء التي تصنف في دائرة الاستفزاز، سبق للمسيسين منهم ان كانوا في حكومات الى جانب الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كما ان معظمهم ينتمي الى حقبة حكومات الوفاق الوطني.
لم تحشد الأكثرية الجديدة قواها لتأتي بوزراء مشاكسة، او وزراء «انتقام»، ولا بوزراء على علاقة أكثر من عادية مع سورية. وكان هذا الأمر محل انتقاد من حلفاء الأكثرية الجديدة غير الممثلين في البرلمان، خاصة الوزير السابق عبدالرحيم مراد، ولم يرتح له حلفاؤها الذين حصلوا على وزارة بدون حقيبة، كالحزب السوري القومي الاجتماعي، والحزب الديموقراطي اللبناني.
الحكومة الميقاتية الجديدة لا تمثل كل لبنان، وربما لا تكون الحكومة المثالية لهذه المرحلة الصعبة في تاريخ المنطقة، إلا انها ليست حكومة حزب الله أبدا، وليست حكومة سورية أبدا، وليست حكومة الفريق الواحد أبدا، فهي تضم تنوعا سياسيا بالكاد استطاعت أطرافه ان تتفق على هذه التشكيلة، ولولا الولادة القيصرية التي أشرف عليها الرئيس نبيه بري، وأقدم على التضحية بمقعد من حصته المحسومة، لما انتهت الولادة على خير.
أهمية خطوة الرئيس نبيه بري، ان دلالاتها تتجاوز موضوع تشكيل الحكومة، وترسم صورة ينتظر رؤيتها الجميع، وهي ملامح التسامح المطلوب أكثر من اي وقت مضى، بين الشريحتين الإسلاميتين الكبيرتين «السنة والشيعة»، خاصة بعد ما أصاب العلاقة بينهما من تشوهات، ساعدت على حدوثها أطراف خارجية، في العراق وغير العراق.
تشكيل الحكومة في لبنان كان أكثر من ضروري، لأن أوضاعه بدأت تأخذ بالتردي، على المستوى الاقتصادي والمعيشي والأمني، خاصة ان استحقاقات داهمة تنتظر على أبواب الأزمة، أهمها استحقاق التجديد لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، حماية للسلامة المصرفية والمالية، التي تعتبر من أهم ركائز الاقتصاد اللبناني.
ضرورة تشكيل الحكومة، والتحذيرات التي سبقت التأليف من خطورة الفراغ، استولدت «حكومة الضرورة». ومهما كانت العيوب التي شابتها، وخاصة لناحية عدم شمول تمثيلها لفريق أساسي من اللبنانيين ـ مثل تيار المستقبل وحلفائه ـ إلا ان وجودها ضروري لإعادة الحياة لمؤسسات الدولة، ولإعادة النصاب الى اللعبة الديموقراطية التي ارتضى الجميع ان تكون المقاربة الأخيرة التي يلجأون إليها عند الاختلاف. دون الاحتكام الى الوسائل غير الديموقراطية في فرض الحلول، وعلى وجه التحديد استخدام السلاح في الداخل، في لعبة ترتد على مستخدميها قبل غيرهم، فلا السلاح يحمي السلطة او يوصل إليها، ولا أيضا التعاون مع القوى الخارجية، وقد أثبتت هذه المعادلة تطورات الأحداث التي حصلت مؤخرا في اكثر من دولة عربية، مثل مصر وتونس وغيرهما.
بالمقابل، فإن من الحق المعارضة الجديدة ألا ترحب بتشكيل الحكومة، ولها حرية الاعتراض على أشخاصها، وعلى طريقة تشكيلها. ولكن بعض ردود الفعل كان فيها شيء من الاستخفاف، وسابقة لأوانها، لأن برنامج الحكومة لم يخرج بعد، ولا أصدرت بيانها الوزاري. خاصة ان رئيس الجمهورية ميشال سليمان ـ المتهم من الأكثرية الجديدة انه متعاطف مع قوى 14 آذار ـ وصفها «انها حكومة لبنانية 100%، وليس لسورية اي علاقة بتأليفها»، كما ان الرئيس ميقاتي أعلن انها حكومة «كلنا للوطن.. كلنا للعمل». ولن تقدم على التشفي من أحد، وستتعاون مع كل الدول التي وقفت الى جانب لبنان، وساعدته في مواجهة العدوان الإسرائيلي. والقوى الدولية الكبرى رحبت بتأليفها منتظرة صدور بيانها الوزاري، وممارساتها لتحكم عليها.
صحيح ان الحكومة الجديدة فيها جوانب متعددة يمكن الاعتراض عليها، ولكن بعض أشكال الاعتراض الاستباقي عليها لم يقلل من مكانتها، التي قد تكون واعدة جدا على غير ما يرغب المعترضون، ولن تكون أبدا حكومة تحد، لا على المستوى الداخلي، ولا على المستوى الخارجي.
إن الأوصاف التي أطلقها خصوم الحكومة بحقها كان فيها بعض الاستعجال، اذا لم نقل التناقض. فكيف يمكن ان تكون حكومة غير متجانسة، على حد تعبير رئيس القوات اللبناني سمير جعجع، وان تكون حكومة الطائفة السياسية الواحدة، على حد وصف حليفه الوزير السابق مروان حمادة.
ان منطق الديموقراطية يقتضي انتظار أفعال هذه الحكومة، للحكم عليها، مادامت حكومة الضرورة، الضرورية، ولم يكن بالإمكان أحسن مما كان.