Note: English translation is not 100% accurate
تحليل اخباري
نشر القرار الاتهامي.. ملاحظات واستنتاجات في المضمون والنتائج
19 أغسطس 2011
المصدر : الأنباء
نشرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان مضمون القرار الاتهامي أو الجزء الأهم منه في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وأهم ما ورد في هذا القرار وما يمكن الاستنتاج في شأنه:
1-توجيه الاتهام الى أربعة أشخاص هم: مصطفى بدر الدين وسليم عياش وحسين عنيسي وأسد صبرا بعملية الاغتيال. دور بدر الدين كان في الاشراف العام على العملية ودور عباس كان في تنسيق وادارة مجموعة التنفيذ للاغتيال. وأما صبرا وعنيسي فإنهما كلفا بمهمة تضليل التحقيقات وحماية منفذي الاعتداء من خلال تسجيل شريط الفيديو الذي ظهر فيه أحمد أبو عدس (متبنيا باسم جماعة النصرة والجهاد في بلاد الشام مسؤولية العملية).
2-القرار الاتهامي كشف النقاب عن «المجموعة التي نفذت الاغتيال ولكنه لم يشر الى الجهة التي تقف وراء العملية، أي الجهة التي قررت ومولت وغطت. وأوحى القرار بوجود جانب آخر من القصة بقي طي الكتمان وسيكشف عنه في قاعة المحاكمة.
3-القرار الاتهامي لم يوجه الى حزب الله كمنظمة وحزب أي اتهام مباشر بعملية الاغتيال ولكنه أتى على ذكر حزب الله أكثر من مرة وبطريقة مريبة تضع حزب الله في دائرة الشك والشبهة وان لم تضعه في دائرة الاتهام، عندما ذكر ان المتهمين الأربعة مناصرون لحزب الله، وعندما ذكر أنه في الماضي تورط الجناح العسكري لحزب الله في عمليات ارهابية، وعندما تحدث عن علاقات قربى ومصاهرة بين بدر الدين وعياش من جهة وعماد مغنية الذي كان مؤسسا لحزب الله ومسؤولا عن جناحه العسكري وكان مطلوبا على المستوى الدولي بتهمة ارتكاب جرائم ارهابية.
وأما الاشارة «الأبلغ» فهي التي ذكرت ان الأشخاص الذين دربهم الجناح العسكري في حزب الله لديهم القدرة على تنفيذ اعتداء ارهابي بغض النظر عما اذا كان هذا الاعتداء لحسابه أم لا، وانه استنادا الى خبرتهما (بدر الدين وعياش) وانتسابهما الى حزب الله، فإنه من المعقول الاستنتاج انه كان لدى بدر الدين وعياش القدرة على تنفيذ الاعتداء.
4-القرار الاتهامي بني بشكل كامل على بيانات اتصالات الهواتف الخليوية. وهذا الأمر يشكل في نظر أوساط حزب الله ثغرة القرار ونقطة ضعفه الأساسية، لأنه بني على استنتاجات وتحليلات ولم يذكر أي دليل صلب ومباشر بما في ذلك الاشارة الى وجود تسجيلات صوتية. فيما شكل في نظر أوساط المستقبل نقطة قوة وتماسك لأن الأدلة الظرفية أقوى من الأدلة المباشرة من حيث الدقة والوزن والقيمة الثبوتية، ولأن تحليلا دقيقا لسجلات الاتصالات أتاح الكشف عن وجود عدد من شبكات الهواتف الخليوية السرية المترابطة والمتورطة في عملية الاغتيال.
5-القرار الاتهامي كشف ان قرار اغتيال الرئيس رفيق الحريري كان قد اتخذ قبل أشهر من حدوثه، وان عمليات المراقبة الشديدة كان يتولاها المتهمون وخصوصا سليم عياش ابتداء من نوفمبر 2004.
6-القرار الاتهامي أشار الى ان أعضاء مجموعة الاغتيال اتخذوا من جنوب بيروت (الضاحية الجنوبية) مركزا لهم. فيما اتخذوا من طرابلس مسارا بعيدا عن بيروت ومكانا للقيام ببعض الأعمال التي يمكن اقتفاء أثرها لتضييع التحقيق مثل شراء سيارة «الميتسوبيشي» وإجراء اتصالات هاتفية.
في الأبعاد السياسية القضائية للقرار الاتهامي يمكن التوقف عند ثلاث ملاحظات أساسية:
1-«القرار» فقد الكثير من عناصر المفاجأة بعدما كانت سبقته تسريبات اعلامية مشابهة لمضمونه ومنسجمة مع استنتاجاته (في وسائل كندية وفرنسية وألمانية واسرائيلية). وإذا كان من سلبية هذا التسريب انه خرق مبدأ أساسيا هو «سرية التحقيقات» وأعطى سببا ومبررا للتشكيك بصدقية المحكمة الدولية، فإن من إيجابياته هو ان «صدمة القرار الاتهامي» جاءت على مراحل، الأمر الذي أفقده الكثير من الوقع والتأثير وخفف من آثاره وتداعياته السلبية على الأرض اللبنانية.
2-هناك طرفان في لبنان معنيان مباشرة بالقرار الاتهامي: الرئيس سعد الحريري بصفته الشخصية كابن رفيق الحريري وبصفته السياسية كزعيم للمعارضة ولفريق 14 آذار. وحزب الله بصفته المعنوية وبسبب انتماء المتهمين الأربعة الى صفوفه وبصفته السياسية كزعيم للأكثرية الحاكمة ولفريق 8 آذار. وإذا كان الرئيس سعد الحريري استبق رد فعل السيد نصرالله معولا على موقف تاريخي بأن يعلن فك ارتباط بين المتهمين وحزب الله (في تكرار لصيغة «عناصر غير منضبطة» التي اقترحها الحريري على نصرالله قبل عام)، فقد كان من الطبيعي ان يخيب رد نصرالله الحريري وان يأتي في غير الاتجاه الذي أراده أو تأمل به.
فموقف السيد نصرالله جاء منسجما مع ما كان أعلنه على امتداد الأشهر الماضية من رفض للمحكمة الدولية وتشكيك بعملها وصدقيتها ومسارها وأحكامها، ومع الجهود المركزة والمضنية التي بذلها وحزبه بما في ذلك وخصوصا فرضية اتهام اسرائيل وخرقها لنظام الاتصالات الخليوية في لبنان.
واستنتاجا فإن نشر القرار الاتهامي وما أعقبه من ردود فعل متضاربة من الجهتين المعنيتين سيؤدي الى توسيع الهوة الفاصلة وتقليص فرص قيام حوار ثنائي بعدما أضيف الى الصراع السياسي «ربط نزاع قضائي وشخصي».
3-القرار الاتهامي بعد نشره يفتح مرحلة جديدة في مسار المحكمة هي «بدء المحاكمة الغيابية». أما في لبنان فإنه لا يفتح مرحلة سياسية جديدة بقدر ما يعزز أجواء المرحلة التي بدأت مطلع العام بسقوط حكومة الحريري، وهي أجواء الانقسامات والخلافات، وما يؤدي الى تكريس وتعميق الصراع السياسي في البلد والى نسف ما كان تبقى من امكانات وفرص حوار وطني.
واذا كان حزب الله واضحا في انه لن يبدل من موقفه وتعاطيه مع المحكمة، ويتصرف من خلفية ان القرار الاتهامي لم يأت بجديد ولن يغير شيئا في الواقع، وان ما بعد القرار سيكون مثل ما قبله. فإن تيار المستقبل يتصرف من خلفية ان القرار الاتهامي سيكون سببا وسندا لتصعيد الضغوط السياسية على حزب الله بنصحه وتشجيعه أولا على الدفاع عن نفسه من داخل المحكمة والتوقف عن سياسة الهروب الى الأمام وبالتحضير ثانيا لاتهامه مباشرة بالوقوف وراء عمليات الاغتيال في حال لم يتعاون مع المحكمة الدولية ولم يسلم المطلوبين.
وهذه الضغوط ستأخذ في دربها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي المطالبة بملاحقة المتهمين وتوقيفهم. أو على الأقل بتسمية الجهة التي تمنع الملاحقة والتوقيف. واستنتاجا فإن الوضع في لبنان مقبل في الفترة الواقعة بين نشر القرار الاتهامي وبدء المحاكمة على مزيد من التصعيد والتوتر وعلى مفاجآت وأحداث متعددة الأوجه والأشكال. وأقصى وأفضل ما يمكن ان نتوقعه ونأمله هو أن يبقى الصراع في اطاره السياسي.