Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
تصريحات الراعي حول سورية تثير جدلاً سياسياً في بيروت
9 سبتمبر 2011
المصدر : الأنباء

أبرز ما ميز الزيارة الرسمية الأولى للبطريرك الماروني «الجديد» مار بشارة بطرس الراعي إلى فرنسا، انها »كشفت» للمرة الأولى عن نظرة وموقف بكركي إزاء الثورات والأحداث العربية، وخصوصا ما يجري في سورية منذ ستة أشهر، ويتلخص موقف الراعي كما صرح به وكما أبلغه إلى المسؤولين الفرنسيين بالنقاط التالية:
1- النظرة الى «الربيع العربي» كحدث وتطور باعث على القلق أكثر من الارتياح، لأنه ليس بالضرورة مدخلا إلى عصر الديموقراطية والحريات وإنما إلى عصر التطرف وأنظمة أكثر تشددا لا تحترم الحريات ولا الديموقراطية ولا حقوق الأقليات.
2- إبداء خشية على مستقبل ومصير الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط الجديد الذي يحمل عنوانين: حروب أهلية داخلية يدفع ثمنها الشعب والمسيحيون خصوصا، ودويلات طائفية في المنطقة تفتت العالم العربي وتخدم اسرائيل.
3- الخشية من ان يتكرر في سورية ما حدث في العراق ومصر من استهداف للمسيحيين في وجودهم وأمنهم ودورهم، ما يؤدي بهم إلى الهجرة والإحباط والخوف على المستقبل والمصير.
4- المسألة في سورية والموقف مما يجري على أرضها ليست مسألة وضع راهن، فلا هي مسألة دفاع عن نظام قائم أو تنديد به، ولا مسألة تأييد أو عدم تأييد مطالب شعبية هي محقة ومشروعة في المطلق إذ تتعلق بالحرية والديموقراطية وحقوق الانسان، انها مسألة «مرحلة ما بعد» ومخاوف مما هو آت في ظل غموض المعطيات وغياب الضمانات والخشية من انزلاق الوضع الى الفوضى والمجهول والى «الأسوأ»، وبالتالي فإن الخيار هو «بين سيئ وأسوأ»، «سيئ قائم وأسوأ قادم».
5- الاعتراف بحصول أخطاء وارتكابات مدانة في سورية لا يلغي واقع ان الرئيس بشار الأسد كان بدأ بالإصلاحات وكان يجب ان يعطى فرصة، ينطوي هذا الكلام على انتقاد ضمني للسياسة الفرنسية تجاه سورية خاصة وللنظرة الغربية إلى «الربيع العربي» بشكل عام وما فيها من تسرع في تغيير الأنظمة من دون تحضير بدائل أفضل ومن دون ملاحظة الأخطار الآتية، ومن إهمال لمسألة الأقليات وعدم وجود ضمانات تحمي وجودها وحقوقها، لا بل تبدو هذه التصريحات متعارضة وتصادمية مع الموقف الفرنسي، وتبدو مواقف الراعي لافتة جدا مكانا وتوقيتا وهو يطلقها من الدولة التي تقود الحملة الدولية ضد النظام السوري وفي الوقت الذي بلغت فيه هذه الحملة نقطة الذروة مع محاولات وضغوط للتأثير على موقف روسيا لإتاحة نقل الملف السوري إلى مجلس الأمن وإصدار قرار دولي لابد منه كمفتاح للتدخل الدولي في سورية على غرار ما جرى في ليبيا.
وإذا كانت ردة الفعل الفرنسية على رؤية الراعي وقراءته للأحداث ومستقبل الوضع في سورية غلبت عليها المفاجأة لأنها سلطت الضوء على نواح ومسائل غير مدرجة في الحسابات والمصالح الفرنسية، ولأنها خلصت إلى طلب المساعدة الفرنسية مستقبلا في حال سقط النظام السوري كي يحترم النظام المقبل الأقليات ويحميها، فإن ردة الفعل في لبنان طغى عليها طابع «الصدمة والذهول»، خصوصا في أوساط التيارات والحركات الإسلامية، وحتى لدى تحالف 14 آذار بشقيه الإسلامي والمسيحي.
ولذا فمن المتوقع ان تثير تصريحات الراعي سجالا سياسيا حادا وان تكون محور المواقف وموضع تفسير وتأويل في المرحلة المقبلة لما تتسم به من أبعاد إستراتيجية دفعت البعض إلى التذكير بزيارة البطريرك الياس الحويك إلى فرنسا في بدايات القرن الماضي عشية التحولات الكبرى في الشرق الأوسط والى إقامة أوجه شبه بين زيارتي الحويك والراعي مع ان الظروف والأوضاع الجيو بوليتيكية مختلفة تماما.
قبل أيام أدلى رئيس حزب القوات اللبنانية د.سمير جعجع بتصريحات لا تنسجم مع ما قاله الراعي وشكل ردا مسبقا عليه عندما قال انه «لا يرى الأمور ذاهبة في سورية إلى حرب أهلية، ولا يعتبر ان الوجود المسيحي في لبنان والمنطقة يتكل على الأنظمة الديكتاتورية القائمة»، ملمحا إلى انه إذا كان الخيار ين سيئ وأسوأ فإن النظام القائم هو الأسوأ وأي نظام أت سيكون أفضل، فإذا كان الموقف المسيحي من أحداث سورية مع بلوغها مرحلة حساسة ومتقدمة بدأت تتكشف فيه تباينات وتفسخات ولا يعرف حتى الآن مدى تأثير ذلك على لقاءات بكركي الجارية تحت عنوان توحيد الطاقات وتنسيق المواقف في شأن ملفات داخلية تصنف بأنها ذات اهتمام مشترك ومرتبطة بمصلحة مسيحية عليا، فإن الموقف السياسي عند قوى 14 آذار إزاء البطريرك الراعي يتجه إلى التخلي عما طبعه في المرحلة الماضية من تحفظ وحذر وحرص على عدم الاصطدام ببكركي وعدم فتح مشكلة مع هذا الموقع الأساسي في البلد الذي شكل أيام البطريرك السابق نصرالله صفير رافعة لقوى 14 آذار والذي يخضع منذ اعتلاء الراعي سدة البطريركية لتعديلات في التموضع، يراه البعض انعكاسا لانسجام وتناغم بين البطريرك الراعي والرئيس سليمان، وانه ينحو الى «وسطية» تخرج المسيحيين من كونهم طرفا في صراع دائر بين السنة والشيعة حول الحكم وله امتدادات إقليمية، ويجعل منهم عامل توازن وأصحاب دور ايجابي يكونون في موقع الوسيط وليس في موقع التبعية لهذا أو ذاك. فيما يرى آخرون ان بكركي بإطلالتها الجديدة باتت أقرب الى 8 آذار منها إلى 14 آذار، وفي الواقع فإن الانتقادات التي بدأت تخرج إلى العلن في شأن مواقف البطريرك الراعي الإقليمية كانت سبقتها انتقادات غير معلنة من جانب هذه القوى في شأن مواقف وسياسات داخلية أبرزها موقف الراعي من حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي حظيت بتأييده وتغطيته، وكان البطريرك سباقا في الدعوة الى إعطاء الحكومة فرصة وفترة سماح قبل الحكم عليها.