القاهرة ـ أ.ش.أ: بعد خلاف دام لأكثر من شهر ونصف الشهر بين جامعة الدول العربية وسورية حول نصوص البروتوكول الخاص ببعثة مراقبي الجامعة العربية إلى سورية، بدأ اليوم الفريق أول ركن محمد أحمد مصطفى الدابي «سوداني الجنسية» رئيس بعثة مراقبي الجامعة العربية تشكيل فريق عمل البعثة المؤلف من مجموعة من العسكريين والمدنيين وما يستلزم من موظفين إداريين بهدف التوجه إلى العاصمة السورية «دمشق» خلال الأيام الثلاثة المقبلة. يأتي ذلك بعد موافقة الحكومة السورية على توقيع البروتوكول.
وقد تمكن الطرفان، الجامعة العربية وسورية، من التوصل أخيرا إلى صيغة وسط لإمكانية تنفيذ البروتوكول بعد خلافات عميقة على معظم البنود التي كانت الجامعة قد صاغتها في شهر نوفمبر الماضي. ومع أنه تم التأكيد من كلا الطرفين بأن الطرف الآخر التزم بما أوجبه أو طلبه في بنود البروتوكول، إلا أنه يمكن القول إن الصياغة الوسط هي ما حكمت مواقف الطرفين.
وتبدأ هذه الصيغة الوسط من عنوان البروتوكول الذي تحول من اسم «بروتوكول بعثة المراقبين إلى سورية» إلى اسم «بروتوكول المركز القانوني ومهام بعثة مراقبي جامعة الدول العربية بين سورية والأمانة الخاصة بالجامعة بشأن متابعة تطورات الوضع في سورية».
ويعني ذلك أن ضغط الجامعة على النظام السوري عبر التأكيد على أن هذا البروتوكول يعد بمثابة إجراء عقابي يجري دون تنسيق مع الطرف السوري، قد تحول إلى صيغة تساعد في تنسيق الموقفين لا التضارب بينهما وتجنيب إيصال رسالة من الجامعة بأنها لا تقصد سوى معاقبة سورية.
وتعتقد بعض المصادر القريبة من جامعة الدول العربية أنه قد تم تفهم بعض المطالب والتعديلات السورية البسيطة على النص الأصلي للبروتوكول، ومنها على سبيل المثال التأكيد على سحب وإخلاء جميع المظاهر العسكرية المسلحة من المدن والأماكن السكنية التي تشهد مظاهرات وحركات احتجاجية في سورية، حيث تم سحب عبارة «المظاهرات والحركات الاحتجاجية»، وأيضا تم تفهم المطلب السوري بالتأكيد على الإفراج عن بعض المعتقلين وليس كل المعتقلين منذ شهر مارس الماضي.
كما وافقت الجامعة على أن يكون المدى الزمني لإعمال البروتوكول هو شهر واحد قابل للتجديد وليس شهرين.
وأصرت الجامعة على أن يكون تحرك البعثة بحرية كاملة داخل الأراضي السورية، لكن يتم ذلك بالتنسيق مع الجانب السوري.
وبالمثل وافقت الجامعة على مطلب سورية بأن يكون غرض البعثة هو حماية المواطنين المدنيين العزل، وذلك بعد رفض سورية أن يكون ذلك مقتصرا على المواطنين المدنيين فقط، بما يعني أنه ليس هناك طرف آخر يمارس العنف ضد القوات النظامية السورية.
ومما لا شك فيه أن الجامعة وسورية قد وافقتا على هذه الصيغة الوسط لأسباب متباينة، بالنسبة للجامعة العربية يلاحظ أن الهدف الأساسي هو وقف العنف والقتل ضد المتظاهرين العزل في سورية وسحب جميع المظاهر المسلحة من الأماكن السكنية، على اعتبار ذلك يمثل أبرز الشروط الإجرائية على الأرض لإمكانية تطبيق مبادرة البنود العربية الـ 13 الخاصة بحل الأزمة السورية، والتي وافقت عليها الجامعة منذ 10 سبتمبر الماضي، وأن تنفيذ البروتوكول يعد خطوة أولى على سبيل رفع بعض العقوبات ضد سورية لأنها قد تضر بالمواطن العادي وليس بالنظام السوري فقط.
لكن على أرض الواقع لم تتغير الأوضاع على الأرض كثيرا في سورية، سواء الأمنية أو السياسية، حيث لايزال الجيش السوري يحكم قبضته على الأرض، فثمة مائة ألف من القوات غير النظامية المعروفة باسم «الفرسان» يمكنها السيطرة على الوضع الأمني، وثمة عشرات من القتلى والشهداء يسقطون يوميا في سورية.
ولم تؤد الانشقاقات المحدودة في القوات المسلحة السورية إلا إلى إضفاء صورة ما من عسكرة انتفاضة الشعب السوري السلمية في الأصل.
ولم تفلح المعارضة السورية في توحيد مواقفها ورؤاها السياسية لحل أزمة سورية الراهنة، حيث يتألف حاليا ما يعرف باسم اللقاء الوطني والهيئة الوطنية الاستشارية للتغيير، ليضافا لكل من هيئة التنسيق بالدخل والمجلس الوطني بالخارج.
وبالنسبة للنظام السوري تعود موافقته على البروتوكول بالنظر إلى أنه وإن بدا متماسكا في الداخل، إلا أن رصيده الخارجي يتناقص تدريجيا، وهو لا يريد أن يفقد شرعيته ومصداقيته كاملة أمام الخارج، ويدرك أن للمعارضة الروسية والصينية سقوفا ربما يسمح بتجاوزها مستقبلا.
من ناحية أخرى، تزايدت العقوبات المفروضة ضد النظام السوري خلال الشهرين الأخيرين كما ونوعا، فتوسعت العقوبات لتشمل أميركا وأوروبا وتركيا والدول العربية باستثناءات محدودة، وشملت العقوبات معظم القطاعات الاقتصادية، بدءا بحظر تصدير النفط ومرور البضائع التركية من الأراضي السورية، مرورا بحظر التعامل مع البنك المركزي والبنوك التجارية السورية، وصولا إلى منع سفر العديد من المسؤولين العسكريين والمدنيين.