Note: English translation is not 100% accurate
الشعبوية والاقتصاد والأوقات العصيبة
25 ديسمبر 2011
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
تشهد الأسواق اللبنانية انكماشا حادا، وصل الى تدني النمو الى أقل من 1% في الأشهر الأخيرة من العام 2011، ولولا بعض الصادرات من الصناعات التحويلية، وخاصة الذهب والأحجار الكريمة، التي تعتمد على النقل الجوي، لكان الخلل في الميزان التجاري اللبناني قد ازداد بشكل كبير، علما ان الخلل في ميزان المدفوعات بدأ ينحو في المسار السلبي.
انعكست الأحداث الدامية التي تجري في سورية بين الثوار والنظام سلبا على الاقتصاد اللبناني، وساهمت في وصول بعض السلع التي تباع في الأسواق السورية، او التي تصدر بالبر عن طريق سورية، الى ما يشبه حالة الكساد. فالكيلو غرام الواحد من الموز يباع بأقل من 1000 ليرة لبنانية، والبطاطا بأقل من 500 ليرة، ناهيك عن زيت الزيتون والتفاح وغيرها الكثير. وقد أقر مجلس الوزراء زيادة على الأجور، وهي محقة وواجبة، نظرا للارتفاع الكبير في غلاء المعيشة، وارتفاع التضخم، الذي قدر بأكثر من 8% عن العام 2011. إلا ان الطريقة التي تمت فيها الزيادة، للإيحاء بأنها انتصار للتيار الوطني الحر، وفي انه أكثر حرصا على العمال من غيره، كانت شعبوية، أكثر مما هي حكمة في رجال الدولة، (رغم ان قيمة الزيادة واحدة فيما لو كان بدل النقل منفصلا عن الراتب، كما كان الاتفاق بين العمال وأرباب العمل، او من ضمنه وفقا لاقتراح الوزير العوني شربل نحاس).
استرعى انتباه المراقبين التصويت الشعبوي الذي حصل في مجلس الوزراء، وبدا واضحا كأنه إرضاء للعماد ميشال عون وليس لأسباب موضوعية، من قبل وزراء حزب الله وحلفائه، لاسيما ان هؤلاء الحلفاء هم الذين رعوا الاتفاق بين الهيئات الاقتصادية والعمال. العماد عون محشور شعبيا في الأوساط المسيحية، خاصة على خلفية خياراته في ملفات مثيرة، كتأييده لسلاح حزب الله وللنظام في سورية، في ضوء الانتفاضة التي تقوم بوجهه. إضافة الى ان تجربة وزرائه لم تحصد النجاح الذي كان متوقعا، رغم وضع الإمكانيات الكبيرة بتصرفهم. فالهاتف الخليوي في أسوأ أداء له منذ إنشائه في العام 1993، فلا تمر مكالمة واحدة دون انقطاع. والكهرباء لم يسبق في تاريخ لبنان ان شهدت مثل هذا الغياب، الذي يصل الى حد 20 ساعة في اليوم في بعض المناطق. إلا ان اللافت ان الاحتجاجات على هذا التقصير تحصل في كل المناطق اللبنانية، ما عدا التي يسيطر عليها حلفاء عون، خاصة في الضاحية، التي تعج بالفقراء وذوي الدخل المحدود.
يحتاج اللبنانيون الى الكثير من الخدمات في هذه الأوقات العصيبة ـ وخاصة منهم غير الموظفين، من مزارعين وصناعيين وحرفيين، وأصحاب مهن حرة لا تشملهم زودة الحكومة ـ الى تأمين طرق تصدير بحرية لمنتجاتهم، الى ان تنجلي الأوضاع في سورية، ويحتاجون الى سياسة حكومية حكيمة ترعى مصالحهم في الخارج، وعلى وجه التحديد في دول الخليج العربي. ويحتاجون الى تحييد لبنان ما أمكن عن الصراعات الإقليمية وفي هذا الوقت بالذات، لكي ينجو اقتصاده المتداعي من ويلات الاصطفافات الدولية، لأن اقتصاده يرتبط ارتباطا عضويا مع مسار التطورات الدولية، ولا يستطيع ان يعيش، او ينمو دون رضا هذه الدول الفاعلة.
عادة ما تكون الشعبوية حاسمة وتعبئة لمشاعر الأمة عندما يهدد مصير هذه الأمة عدوان خارجي، او قهر داخلي، ولكن الشعبوية من اجل الانتخابات، وفي الاوقات العصيبة التي تمر فيها الأمة، تصبح مرضا قاتلا. أوساط محايدة ومراقبة لما يجري في لبنان، تحذر من خطر الابتعاد عن الحكمة في المفاصل الدقيقة (ومنها في الاقتصاد)، ومن خطر الإخلال بالتوازنات الداخلية، فلا يستطيع لبنان ان يتحمل ما يتحمله العراق.