القاهرة ـ أ.ش.أ: تشهد الأزمة السياسية في سورية تعقيدات متشابكة تتداخل فيها كل الأبعاد الداخلية والعربية والإقليمية والدولية، ففي الوقت الذي تتسارع فيه الجهود العربية ممثلة في جامعة الدول العربية «اللجنة الوزارية المعنية بالأزمة السورية» وفي القلب منها بعثة المراقبين المكلفة برصد وقائع ومشاهدات وأحداث التطورات في سورية، تتسارع كذلك الضغوط الغربية لتدويل الأزمة.
إذ تشهد الجامعة العربية بعد غد اجتماعا على مستوى وزراء الخارجية العرب لمناقشة التوصيات التي تضمنها التقرير النهائي لرئيس بعثة المراقبين الفريق أول محمد أحمد الدابي، لبيان مدى التزام الحكومة السورية ببنود البروتوكول وأسباب انسحاب بعض المراقبين من البعثة.
وفي الوقت الذي استبقت فيه سورية الاجتماع برفض استقبال قوات عربية على أراضيها، بعد الطرح القطري بإرسال قوات عربية إليها، معتبرة هذه الخطوة بمنزلة فتح المجال أمام استدعاء للتدخل الخارجي في الشؤون السورية، أعلنت دمشق استعدادها للموافقة على زيادة عدد المراقبين العرب من دون توسيع تفويضهم أو السماح لهم بدخول مناطق عسكرية لا يشملها البروتوكول الموقع مع الجامعة.
ويشير المراقبون الى أن الأزمة السورية تشهد تدويلا خطوة خطوة في ظل الصراع المحتدم بين المواقف الغربية المنادية بالتدويل من جهة ومواقف روسيا والصين المعارضة للفكرة من ناحية أخرى.
أول هذه المؤشرات أنه في الوقت الذي دعا فيه الجيش السوري الحر مجلس الأمن إلى إصدار قرار ضد نظام الرئيس بشار الأسد، يضع سورية تحت طائلة الفصل السابع الذي يتضمن استخدام القوة، طالب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون المجلس بتحرك لحل الأزمة، ووافقت هيئته على تدريب مراقبين عرب قبل توجهم إلى سورية.
وأرجأت الجامعة العربية قرار التدريب إلى ما بعد اجتماع الأحد المقبل.
وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت في وقت سابق أنها ستباشر تدريب مراقبين عرب بناء على طلب الجامعة العربية لإرسالهم لاحقا إلى سورية، وأكدت المتحدثة باسم الأمم المتحدة فانينا مايستراكي أن التدريب سيبدأ في القاهرة بعد الاجتماع العربي الوزاري المقرر الأحد بمقر جامعة الدول العربية لمناقشة تطورات الوضع في سورية وعمل المراقبين، وسيتولى التدريب موظفون في المفوضية العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
ثاني المؤشرات التي تتعلق باحتمالات تدويل الأزمة السورية: الرسالة القوية التي وجهها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى الرئيس السوري بشار الأسد، مفادها أنه فقد شرعيته، ويجب أن يكف عن قتل شعبه، مؤكدا أن هناك دائما مجالا للاستدراك كي لا تصبح الحرب الأهلية في سورية حتمية.
وأكد العديد من المراقبين لتطورات الأوضاع أن سورية على مفترق طرق، ولن تنقذها إيران أو غيرها مهما حاولت لفت الأنظار بعيدا عن ممارسات نظام الأسد بالتهديد بإغلاق مضيق هرمز، ولم يتبق أمام النظام إلا الرحيل أو إدخال البلاد في أتون حرب أهلية، ورياح الربيع العربي مازالت مستمرة وقائمة، حسب هؤلاء المراقبين.
ثالث المؤشرات: انه على الرغم من تأكيد الرئيس الأميركي باراك أوباما سعي بلاده لتنحية النظام السوري الحالي، جددت روسيا رفضها إرسال أي قوات أجنبية إلى سورية أو فرض عقوبات عليها معتبرة ذلك خطا أحمر.
ووصفت موسكو العقوبات الانفرادية التي فرضتها الولايات والمتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض الدول على سورية بأنها غير قانونية.
كما أنه في الوقت الذي طلبت فيه السفيرة الأميركية بالأمم المتحدة الحصول على توضيحات بشأن السفينة شاريوت التي أفرغت حمولتها في ميناء سوري، رفض وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أي اتهامات لبلاده بخرق القوانين الدولية في مجال التعاون العسكري التقني مع سورية، وقال «نحن لا نرى هناك ضرورة للتوضيحات والتبريرات، لأننا لم نخرق أيا من الاتفاقيات الدولية، وأيا من قرارات مجلس الأمن، وأن تجارتنا مع سورية تقتصر على ما لا يحظره القانون الدولي».
يأتي الموقف الروسي في ظل محاولات القوى الغربية دفع روسيا للقبول بتعديلات على مشروع القرار الذي قدمته لمجلس الأمن فيما يتعلق بالأوضاع بسورية، من أبرزها تخلي روسيا عن رفضها فرض عقوبات على سورية أو السماح بتدخل قوات أجنبية.
ويدين القرار الروسي العنف الواسع وانتهاكات حقوق الإنسان من قبل السلطات، لكنه يطالب جميع الأطراف ـ بما فيها جماعات المعارضة المسلحة ـ بوقف العنف فورا.
ويذكر أن روسيا والصين استخدمتا حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أممي حول سورية في أكتوبر الماضي.
أما رابع هذه المؤشرات: الموقف التركي والذي بلوره وزير خارجيتها داود أوغلو، حين أكد أن الأزمة السورية تقترب من التدويل، وأن تركيا تتعاطى مع النظام السوري على أنه قد انتهى.
وستكون الأزمة السورية هي محور مناقشات أوغلو مع نظيره الروسي سيرغي لافروف خلال زيارته لموسكو بعد أيام، خاصة أن جميع الأطراف ـ سواء أكانوا إقليميين أم دوليين ـ يقيمون حاليا الوضع في سورية.
وتمثل طبيعة النظام البعثي في سورية معضلة قوية تفرض إلزامية تدخل المجتمع الدولي، إذ يرجع المحللون أسباب إصرار نظام الأسد على المقاومة إلى بنيته الطائفية التي أصبحت نسقا متكاملا يتعذر تجزئته أو تفكيكه أو تعديله وإصلاحه، لأن الطائفية العلوية التي بدأت مع حافظ الأسد فقيرة وريفية، كانت تطمح في البداية إلى مجرد المشاركة السياسية مع البرجوازية السنية.
لكن بعد أكثر من 40 عاما من السلطة والامتيازات وشبكة المصالح الواسعة، أصبح لها نفوذ قوى وكونت أطرها ونخبها في جميع المجالات، مما جعلها تستغني عن حليفتها البرجوازية من طائفة السنة.
لذلك بات الحل الدولي في نظر الكثيرين هو الحل الأمثل.