Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
أكراد سورية .. انخراط مشروط بالثورة والتطلع إلى «النموذج العراقي»
6 مايو 2012
المصدر : الأنباء
يعيش أكراد سورية هذه الأيام مرحلة فاصلة من تاريخهم. بعضهم انصهر في مكونات الشعب السوري، لكن بعضهم الآخر يعتقد انهم شعب آخر في موازاة الشعب السوري، وهم كشأن السوريين منقسمون ما بين موالاة ومعارضة، ما بين داعين للتدخل الأجنبي في سورية ومعارضين له، ولكنهم جميعا يحملون طموحات كبيرة لتحسين وضعهم على أرض الواقع، يصل بعضها الى الرغبة في تكرار تجربة إقليم كردستان العراق.
بعد اندلاع الثورة السورية برزت القضية الكردية في سورية باعتبارها قضية شعب يتجاوز الثلاثة ملايين مواطن يشكل ثاني أكبر قومية في البلاد (يتراوح عدد الأكراد بين 8 و15%) ويلعب دورا مفصليا بين أطراف المعارضة الوطنية، وله حضوره المؤثر في الاحتجاجات الجارية من أجل إسقاط النظام وبناء نظام علماني تعددي ديموقراطي يضمن كامل حقوقه القومية. فالأقلية الكردية تبرز باعتبارها بطاقة القوة الرئيسية التي يمكن ان تعزز زخم حركة المعارضة المبعثرة والحاصرة والتي من المتوقع ان تصبح أكثر عنفا، واذا انضم الأكراد بالكامل الى محاولات الإطاحة بالأسد فمن الممكن ان يكون هذا عاملا حاسما، حيث يمكن ان يكلف النظام سلطته المادية على منطقة بأكملها، ويمكن ان يكون أيضا المفتاح الذي سيدفع حلب ودمشق الى الانتفاض والانضمام للثورة. وتمثل المنطقة الكردية أهمية كبيرة لسورية من الناحية الاستراتيجية، حيث انها تشترك في الحدود مع العراق وتركيا وتمتلك احتياطيا كبيرا من النفط.
ولكن موقف الأكراد في سورية يحير، فهم لم يهبوا بعد للمطالبة بإسقاط النظام ولم يشاركوا في التظاهرات ضد النظام ولا في المعارك المسلحة، على رغم أهمية موقفهم في تطور الأحداث ودورهم المؤثر والفاعل يساهم في قلب النظام، والسبب يعود إلى عدم ثقة الأكراد السوريين بالثورة السورية ومن يديرها، أي الاخوان المسلمين والقوميين العرب، الذين لا يعترفون بحقوق الأكراد الذين يحسبون حساباتهم بعيدا وينظرون الى الأمور بحذر شديد، غير متناسين ماضيهم المؤلم ومعاناتهم في ظل النظام البعثي، وغير مستسلمين لما ستسفر عنه الأمور بعد انقضاء الأزمة السورية الراهنة، سواء استمر نظام الأسد أو سقط.
عقب اغتيال المعارض السوري الكردي البارز مشعل تمو خرج مئات الآلاف الى الشوارع في شمال شرقي البلاد في مشهد نادر الحدوث وفي أول مشاركة ضخمة وفعلية للأكراد في الثورة.. وتأسس المجلس الوطني الكردي الذي سارع الى تشكيل وفد للحوار مع المعارضة الوطنية بهدف التوصل معها الى قواسم مشتركة حول مستقبل سورية الجديدة وحقوق ومطالب الأكراد بعد سقوط النظام السوري ومنها: حق تقرير المصير، إعادة تجنيس نحو ربع مليون كردي بالجنسية السورية، التأكيد على مبدأ المواطنة والاعتراف رسميا ـ على ان ينص الدستور الجديد على هذه الأمور ـ على انهم مكون رئيسي من مكونات المجتمع السوري، وضمان مشاركتهم في جميع الإدارات والمؤسسات في الدولة بدءا من الإدارات المحلية إلى أعلى المناصب، وكذلك حصولهم على جميع حقوقهم السياسية ضمن الحركة الوطنية السورية، بلا تمييز أو إقصاء وحسبما تقتضيه اللعبة الديموقراطية، ومحاولة دمج الأكراد في الحركة الوطنية والأحزاب السورية ليس بكونهم أكرادا بل كونهم مواطنين سوريين، إضافة الى تعويضهم عن الأراضي التي تم نزعها مهم أو على الأقل الاعتراف بحقهم في ذلك ويكون التنفيذ لاحقا، وإلغاء جميع الإجراءات والقرارات وتعديل جميع القوانين الاستثنائية ضد الأكراد.
ومع تصدر المجلس الوطني السوري واجهة المشهد السياسي للمعارضة السورية، جرت اتصالات وحوارات بين المجلسين (السوري والكردي)، لم تسفر عن أي نتيجة إيجابية خصوصا فيما يتعلق بالحقوق القومية للشعب الكردي في سورية، والتي تم حصرها في إطار اللامركزية الإدارية، كانت مخيبة للآمال، والسبب ما يعتبره الأكراد مسعى المجلس الوطني السوري لتسويق نفسه كممثل شرعي وحيد للشعب السوري، إضافة الى مسعاه لفرض سلطة مركزية جديدة على البلاد بديلة عن النظام الشمولي الحالي، والأكراد لن يقبلوا تحت أي ظرف كان بالعودة الى الوضع الذي حرمهم من حقوقهم المشروعة، وهم رهنوا مشاركتهم في عملية إسقاط النظام بحصولهم مسبقا على ضمانات حول دورهم ومستقبلهم. وهذا كان فحوى الموقف الذي خرج به مؤتمر الأكراد السوريين في أربيل برعاية وحضور البارزاني.
شارك وفد كردي في اجتماعات اسطنبول الأخيرة بهدف إجراء حوار وطني بناء من أجل صياغة عقد سياسي جديد يوحد جميع السوريين بمختلف أطيافهم ومكوناتهم. وكان هذا العقد مطلبا دوليا وشعبيا استجابت له القوى الكردية المنضوية تحت راية المجلس الوطني الكردي السوري، وكانت لقاءات ومحادثات سبقت اجتماع اسطنبول طلب فيها الأكراد من المجلس الوطني إعادة النظر في سياساته ومواقفه تجاه الشعب الكردي وحقوقه الأساسية، كما طالبوه بالاعتراف بالحقوق المشروعة لكل الأقليات والمكونات السورية، ولكن ما جرى في الاجتماع الأخير لم يخرج عن نطاق إلقاء كلمات إنشائية فضفاضة لا تحدد وضع الأكراد كمكون أساسي من المكونات القومية في سورية ولا يمنحهم ضمانات حول وضع قومي متمايز يرضيهم في المستقبل. وشعر المعارضون الأكراد بالتمييز وعدم الأخذ بآرائهم فيما يجري، بل واعتبارهم ضيوفا على المؤتمر لا مشاركين في صنع القرارات. ويقول المنسحبون الأكراد ان معارضة الخارج تسير على منهجية تقود الى «إحلال ديكتاتورية بدلا من ديكتاتورية قائمة الآن»، وانهم لن يعطوا الأكراد الحقوق التي خرجوا وناضلوا من أجلها طويلا. ويرى أكراد سورية ان المجلس الوطني السوري ينفذ أجندة تركية لا تريد للأكراد ان يتمتعوا بحقوق تعزز من هويتهم الثقافية وتحافظ على فرادتهم. وهم يرون ان الثورة على النظام لن تعزز من وضعهم على صعيد الحقوق كأقلية عرقية، اذ لا فرق بين النظام السوري ومجلس يخضع لتأثير أنقرة.
واللافت في زحمة الأزمة السورية بروز انقسام حاد بين الأحزاب الكردية في سورية بات يهدد ساحتهم السياسية. ويطرح تحديات جمة أمام الحركة الكردية في سورية على شكل مخاطر تهدد المطالب التي يطمح الأكراد الى تحقيقها، وهو في حقيقة الأمر انقسام ليس بجديد وإنما يعود الى تسعينيات القرن الماضي على شكل استقطاب واختلاف في المرجعيات وعلاقة ارتباط بالحركة الكردستانية في الخارج، وتحديدا بين أحزاب ارتبطت تاريخيا بالحزبين الكرديين الرئيسيين في كردستان العراق (الحزب الديموقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني) وبين من يرتبط بحزب العمال الكردستاني بزعامة عبدالله أوغلان المعتقل في سجن إيميرالي قبل ان يتشكل في سورية حزب الاتحاد الديموقراطي والذي هو عمليا الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني حيث تصاعدت وتيرة نشاطه في سورية منذ تفجر الأحداث فيها.
التطورات الجارية والانقسام في المشهد الكردي السوري، جعل الأكراد ورقة رهان رابحة يسعى كل طرف لاستخدامها في وجه خصومه: حزب العمال الكردستاني استفاد من العداء المستجد بين أنقرة ودمشق ليتقرب من النظام السوري مرة أخرى. وفي العراق، وبعد تردد، دخلت النخب الكردية الى جانب المعارضة السورية مسلطة الضوء على المفارقات والتوترات الداخلية في الموقف الكردي. وكانت حكومة اقليم كردستان حريصة على إقناع تركيا، لضمان رعايتها، بأنها قادرة على احتواء عناصر العمال الكردستاني المتمركزين في الأراضي العراقية.
وفي هذا السياق، حملت الزيارة التي قام بها رئيس اقليم كردستان مسعود البارزاني الى تركيا مؤخرا دلالات بالغة الأهمية اذ ان توسع نفوذ الاقليم يجعل اربيل المفتاح المركزي للمسألة الكردية على صعيد المنطقة. ومع ان حسابات البارزاني تختلف عن حسابات أنقرة، فإن هدف الزيارة كان واضحا: الاستفادة من عوامل التفكك في المنطقة من أجل تحقيق مكاسب للأكراد، ولو على حساب حلفاء سابقين.
اكتسبت زيارة البارزاني الى تركيا أهمية كبرى في ظل الأوضاع الراهنة في المنطقة، فمسألة حزب العمال الكردستاني وتواجده في منطقة جبل قنديل التابعة لمنطقة اقليم كردستان هي من النقاط البارزة التي تقلق تركيا، خصوصا ان استخباراتها تشير الى استرجاع الحزب تواجده في شمال سورية، وتريد تركيا من البارزاني ان يمارس ضغوطا تحول دون ان يتحول الشمال السوري الى قاعدة انطلاق جديدة لعمليات الحزب ضد تركيا. كما ان تقدم المسألة الكردية في المنطقة كلها كأحد العناوين الأساسية بعد بدء الأزمة السورية، يجعل مثل هذه الخطوة التركية تجاه «الدولة» في شمال العراق موضع تقييم شديد الدقة وعالي الحساسية، اذ ان أي انفلات للوضع في سورية سيفتح الباب أمام نشوء واقع كردي جديد، ليس في سورية فحسب، بل في كل المنطقة، وستجد تركيا نفسها أمام احتمال إقامة حكم ذاتي أو استقلال لأكراد سورية، وهو ما تخشاه أنقرة أشد الخشية، خصوصا ان نزعات الأكراد السوريين تميل ليس الى البارزاني بل الى «حزب العمال الكردستاني» الذي يشكل الأكراد من أصل سوري ثلث مقاتليه على الأقل، وله حضور قوي في الوسط الكردي السورري. كذلك ستجد تركيا نفسها محاطة بشريط كردي يمتد من إيران الى شمال العراق فسورية وصولا الى ساحل البحر المتوسط، وقد تكون حدود تركيا في المستقبل مع كردستان، وبالتالي فإن انعكاسات الوضع في سورية على مستقبل القضية الكردية في سورية وتركيا والمنطقة يعطي علاقة البارزاني مع حكومة أردوغان أهمية إضافية.