Note: English translation is not 100% accurate
حوادث الشمال تضع ثلاثة أطراف أساسيين في «دائرة الإحراج والخيارات الصعبة»
22 مايو 2012
المصدر : الأنباء
لم يكن دخول الحريق السوري الى البيت اللبناني مفاجئا وإنما كان متوقعا في سياق التفاعل المحموم بين الأزمة المتمادية هناك والوضع الهش هنا، المفاجأة تمثلت في سرعة انتشار الحريق وتمدده مثل النار في الهشيم من طرابلس الى عكار ومن الشمال الى مناطق اخرى بما فيها العاصمة بيروت ويحصل ذلك نتيجة عدم التناسب بين الضغوط الهائلة التي يرزح تحتها الوضع اللبناني وتدفع به الى مستويات متفجرة، وبين الضوابط والكوابح الضعيفة المتاحة لفرملة الاندفاعة القوية نحو التدهور والتفجر.
في وقت مازال ملف طرابلس قيد المعالجة وتضميد الجراح، فتح ملف امني لا يقل خطورة في عكار وفي وقت كان التخوف والتحسب في عكار من «شرارة حلبا» والاحتفالين المتواجهين لتيار المستقبل والحزب القومي جاءت الشرارة من مكان آخر عندما حصل حادث على حاجز للجيش اللبناني وادى الى مقتل الشيخ احمد عبدالواحد ومرافقه وكان الجيش اتخذ اجراءات مشددة للحيلولة دون حصول احتكاك في حلبا بعدما كان لقائده العماد جان قهوجي قبل ايام رأي في انه من الافضل عدم حصول احتفالي حلبا في ظل ظروف امنية وسياسية بالغة الحساسية، وهو ابلغ رأيه المبني على تقديرات دقيقة للظروف المحيطة الى مراجع سياسية مسؤولة ولكن لم يصدر اي قرار بمنع اقامة الاحتفالين واستعيض عن المنع بتوفير حماية امنية وإدارة الصراع.
الأخطر في حادثة عكار بغض النظر عن التفاصيل ونتائج التحقيق وما إذا كان اطلاق النار نجم عن اشكال بين حاجز الجيش وموكب الشيخ عبدالواحد ام نجم عن سوء تصرف وخطأ غير مقصود، او حتى عند خطأ متعمد وعملية اغتيال، الاخطر انها تسببت في إحداث اول اشكالية تصادمية في العلاقة بين الجيش والمجتمع العكاري، في منطقة تعد معقلا ومقلعا وخزانا بشريا للجيش، وفي علاقة لم يسبق ان شابتها شائبة حتى في احلك الظروف وادق الاوضاع عندما اندلعت حرب نهر البارد عند تخوم عكار التي دفعت من دم ابنائها العسكريين الثمن الباهظ وبعدما نجح الجيش في امتحان طرابلس وانتشر فيها بطريقة حكيمة ومسؤولة مستندا الى غطاء سياسي محكم، وجد نفسه في مواجهة امتحان اقسى واخطر وفي وضع مكشوف اضطر معه الى اتخاذ تدابير احتوائية غير مسبوقة، مخليا شوارع عكار ومنكفئا الى ثكناته واضعا نفسه في خدمة تحقيق شفاف تشرف عليه لجنة من قضاة وضباط كبار في الشرطة العسكرية. وحصل ذلك في ظل ضغوط سياسية لم يسبق لها مثيل على يد نواب المنطقة خصوصا خالد ضاهر ومعين المرعبي بلغت حدة مطالبة الجيش بإخلاء عكار والتشكيك فيه والتحريض عليه والدعوة الى استقالة قائد الجيش او اقالته وهذه الحملة ساهمت في إذكاء غضب الشارع وتأجيج النار التي امتدت الى بيروت ومناطق اخرى ليجد الجيش نفسه في وضع حرج بين الاستمرار في تحمل مسؤوليته ومهمة الحفاظ على الامن في ظل ارتفاع في مستوى المخاطر وفي ظل بيئة سياسية وحكومية غير مساعدة وبين ان ينكفئ تحت ضغوط ومعوقات سياسية وعملية ويفقد للمرة الأولى في مرحلة ما بعد الحرب وما بعد الطائف زمام المبادرة.
ما واجهه الجيش امنيا انطلاقا من عكار واجهه الرئيس نجيب ميقاتي سياسيا انطلاقا من طرابلس التي تشكل نقطة قوته وضعفه في آن، ذلك ان المبرر والعنوان الأساسي الذي على اساسه جاء ميقاتي الى الحكم هو الاستقرار وانقاذ لبنان من الفتنة ليجد نفسه وحكومته امام وضع يتآكل فيه الاستقرار سريعا وتصبح قضيته انقاذ مدينته ومنطقته. وليجد نفسه وحكومته امام تصدع متزايد في سياسة النأي بالنفس التي تتجاوزها الاحداث ولا تعود تفي بالغرض في ظل ضغوط متقابلة تضع الحكومة بين المطرقة السورية (المطالبات المتزايدة بضبط الوضع وملاحقة عمليات تهريب السلاح والمسلحين) والسندان اللبناني المعارض للحكومة والمساند من دون تحفظ للثورة السورية الى حد إقامة ربط وثيق وكامل بين الأزمة السورية والوضع في لبنان. الرئيس ميقاتي الذي يواجه ضغوط وابتزاز الخصوم والحلفاء على حد سواء ليس في وارد الاستقالة في هذه الظروف، ولكن تدافع الاحداث قد لا يبقي هذا القرار ومصير الحكومة في يده او في يد حلفائه، ويمكن ان يفرض ايقاعا سياسيا مختلفا ويكرس رسميا دينامية تصريف الاعمال والتوقف عن القرارات الكبيرة.
وإذا كان رئيس الحكومة في وضع حرج، فإن زعيم المعارضة سعد الحريري ليس في وضع افضل، فالرئيس الحريري المقيم في الخارج بصفة دائمة يجد صعوبة فائقة في اللحاق بالتطورات والأحداث وضبط ايقاعها على الساحة السنية ويجد نفسه امام وضع جديد ومعادلة جديدة في صدد التشكل والتكون بعدما دخلت الحركة الاسلامية عنصرا اساسيا في لعبة الشارع ولاحقا على الخارطة السياسية لدى الطائفة السنية، والحريري امام تحدي الاحتفاظ بالدور القيادي في الطائفة السنية مع ما يتطلبه ذلك من مراعاة ومجاراة للحالة الاسلامية الجديدة والمتحفزة، ومن دخول في مسار وخط احداث وتطورات لا يملك قدرة التحكم بها تماما، فإذا فعل تحمل مخاطر هذا الخيار بعدما اظهرت الاحداث خروجا جزئيا للشارع عن سيطرته واذا لم يفعل سيكون الاسلاميون في اتم الجاهزية والاستعداد لملء الفراغ وتولي دور قيادي على الساحة وخارج كل احتواء وضبط فما يجري له صلة اكيدة ووطيدة بالوضع في سورية ولكن له وجها آخر متصلا بالوضع داخل الطائفة السنية وتراكماته منذ العام 2008 التي اختزنت حالة من الاحتقان المتدرج وشعورا بالقهر وتراجع النفوذ والمكانة. ولذلك فإن ما يجري هو شكل من اشكال الانتفاضة السنية التي تذكر بانتفاضات مشابهة في ظروف مغايرة، انتفاضة 6 فبراير الشيعية انطلاقا من الضاحية في وجه المارونية السياسية المتهالكة، وهي الآن انتفاضة مايو السنية انطلاقا من الشمال في وجه الشيعية السياسية الصاعدة.