Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
الأزمة السورية: سيناريوهات ونماذج ومخاطر
5 يونيو 2012
المصدر : بيروت
الوضع في سورية الى الأسوأ، هذا ما يعكسه خطاب الرئيس السوري بشار الأسد الذي يقول ان العدو أصبح في الداخل، ويتحدث عن «حرب حقيقية» من الخارج تسعى عبر الإرهاب لإشعال «فتنة طائفية» بهدف سحق الدولة السورية أو «تقسيمها» ويحدد الأمن خطا أحمر «مهما كلف الثمن» ويعبر عن إحباطه لأن كل الإصلاحات والتقديمات لم تسفر عن أي تقدم في الأوضاع. وهذا ما يعكسه أيضا كلام المبعوث الدولي كوفي أنان المحبط أيضا والذي يستعد لإعلان فشل وانتهاء مهمته بعدما أصبحت مهمة المراقبين الدوليين إحصاء عدد القتلى المدنيين وأصبح الوضع في سورية مهددا بالانزلاق الى حرب أهلية شاملة. ويقول أنان ان خطته ليست الحل المناسب ويجب أن يكون هناك حل آخر وهذا عمل مجلس الأمن المعطل بسبب موقف كل من روسيا والصين.
ويمكن إيجاز الوضع في سورية ومساره في المرحلة المقبلة في النقاط التالية (كما يرى خبراء ومحللون):
٭ أولا: خطة أنان وصلت الى طريق مسدود، هذا ما أمكن استنتاجه من زيارته الأخيرة الى دمشق، ووفقا لما أبلغه أنان الى المسؤولين اللبنانيين، فإنه كان واضحا فيما عرضه للقادة اللبنانيين الذين التقاهم، بأن المشكلة الأساس تبقى في أن الأسد لم ينفذ خطة النقاط الست، وأنه كان صريحا مع الرئيس السوري من أن المجتمع الدولي لن ينتظره الى ما لا نهاية وأن صبره أخذ ينفد، لكن المشكلة هي أن الأسد يعتقد أنه سيتمكن من البقاء في السلطة وأن شعبه يدعمه ويسانده وأنه لولا ذلك لما كان استطاع أن يستمر في موقعه، وأن سبب الأزمة وجود إرهابيين في سورية مدعومين من الخارج الذي متى توقف (الخارج) عن دعمهم، تنتهي الأزمة.
المأزق يتمثل الآن في أنه إذا لم تطبق النقاط الست مجتمعة، فلا يمكن المبعوث الدولي العربي أن يطلب من المعارضة الجلوس لأنهم سيرفضون ذلك وهذا يمكن تفهمه، وإذا استمر العنف على حاله وفتحت العملية السياسية في وقت متأخر ـ أي بعد تراكم العنف ـ فإنها ستفشل، والمأزق أيضا يتمثل في ان خطة أنان تسعى الى انتقال سلمي للسلطة عبر عملية سياسية تتم على الصعيد الوطني، وهذا الانتقال سيؤدي في نهاية المطاف بطريقة من الطرق الى تنحي الأسد، بينما يريد فرقاء آخرون أن تبدأ العملية السياسية بتنحي الأسد.
٭ ثانيا: المخاوف والمخاطر المطروحة حول سورية متداخلة ومعقدة، ولعل أبرزها الخوف من عسكرة الصراع، بحيث يتم تسليح وتنظيم سوريين ضد سوريين بعد تسعير نار العنف، وإدخالهم في مجاري حرب أهلية، تعم المناطق السورية أو أغلبها، فتجعل السوريين في مواجهة بعضهم بعضا طوائف وأديانا وجماعات من أصول قومية، تندرج جميعها في إطار الجماعة الوطنية.
كما أن بين المخاوف، أن تقود الصراعات المسلحة وغيرها إلى سيادة الفوضى وتدمير الدولة، وانتشار الجماعات المسلحة وأمراء الحرب الذين سيتوزعون طبقا لتوازنات القوى التي سيشكلها الصراع على الأرض والتوازنات الإقليمية والدولية في علاقاتها مع الداخل السوري بما فيه من تفرعات وتكتلات.
وبين المخاوف الماثلة في سورية، ما يحيط بوجود الجماعات الإسلامية الأصولية والمسلحة، وما يمكن أن تشكله من حجم ووزن في البلاد ووسط سكانها، الأمر الذي من شأنه أن يحدث تغييرا جوهريا في الحياة السورية بجوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد يكون من شأنه إعادة طرح الأسس التي تقوم على أساسها الدولة والمجتمع، طبقا لمعتقدات وتوجهات وممارسات تلك الجماعات على نحو ما حصل في بلدان عربية وإسلامية من بينها العراق وأفغانستان وغيرهما.
غير أنه وفي الحالة السورية المحددة، فإن أغلب المخاوف المثارة مقترنة باستمرار الحل العسكري الأمني الذي اختارته السلطات السورية مسارا في التعامل مع الأزمة القائمة في البلاد.
٭ ثالثا: في ظل انسداد الأفق السياسي وغياب احتمالات واقعية في المدى المنظور لإخراج سورية من أزمتها الدامية تتجه سورية الى واحد من سيناريوهات أربعة:
1 ـ الأفغنة التي تذكر بالصراع ضد نظام نجيب لله في افغانستان فمع استمرار العنف كوسيلة وحيدة لتسوية الأزمة وغياب أي افق سياسي للحل يزداد خطاب الثورة راديكالية ويزداد سلوكها عنفا او تحديدا تزداد قوة الأطراف التي تؤمن بالحل العسكري العنفي كرد على سياسة العنف الرسمية وفي اطار خط الزلازل المذهبي الذي استقر بقوة في المنطقة والتي تقع سورية في قلبه تصبح الساحة السورية جاذبة ومحرضة للجهادية القتالية الدولية.
2 ـ العرقنة مع سقوط وتفكك السلطة مع الوقت وقيام صراعات داخلية بين الجماعات والمكونات الأصلية ولو تحت عناوين «وطنية» جامعة وجاذبة لكنها تصلح لتعبئة الجماعة ذاتها وليس لإقامة جسور مع الجماعات الأخرى فيصبح التحارب بين الجماعات بأشكال مختلفة هو العنصر الحاكم، فيما تجوف الدولة وتتآكل من الداخل وتشل قدراتها وأدوارها وتتعقد امكانية ايجاد حل سياسي ذي مشروعية وطنية.
3 ـ اللبننة او السقوط في حرب أهلية على الطريقة اللبنانية التي قد تنتهي بجذب التداخلات الخارجية القريبة والبعيدة وبلورة نظام على الطريقة اللبنانية نظام الديموقراطية القائمة على التوافقية الطائفية وهو نظام هش وجاذب دائما للتدخل الخارجي وقد شهدنا كيف تمت لبننة النظام في العراق، فيما نرى سورية تعيش احتمال عرقنة وضعها.
4 ـ اليمننة او اعتماد النموذج اليمني رغم صعوبات ذلك بسبب الفوارق الأساسية من حيث دور الخارج وقوة النظام في الداخل بين الحالتين السورية واليمنية، لكن هذا الخيار يفترض مع انسداد الأفق اسقاط السلطة الفعلية برمزها رأس الدولة وبقاء النظام مع تغييرات طفيفة لا تمس جوهره، لكن يبقى هذا السيناريو هشا وقابلا للتحول الى أحد السيناريوهات المشار إليها سابقا.
٭ رابعا: يبدو الوضع السوري مطوقا بكم من الاستحالات التي تجعله مقفلا على الحلول، وتجعل الحراك الدولي حياله مقيدا بجملة من الحقائق:
ـ الأولى: انعدام كامل للظروف التي تسمح بالاقتداء بـ «الحل المصري» من أجل إنهاء الأزمة السورية. ومرد ذلك دخول الجيش والقوات المسلحة طرفا أساسيا في الصراع الى جانب النظام، وعدم توافر أفق الحد الأدنى الذي يسمح بالرهان على عامل المؤسسة العسكرية للعب دور حاسم في وقف الصراع والدخول في الحل السياسي، سواء من خلال الوقوف على الحياد على غرار ما فعله الجيش المصري، او من خلال تحرك إنقاذي يتم عبر الإمساك بالسلطة، إجبار الأسد على التنحي وإدارة عملية انتقال السلطة. المعادلة في سورية واضحة لا لبس فيها: القوات المسلحة هي جيش النظام، لا بل إنها ذروة المعضلة التي تواجه المجتمع الدولي.
ـ الثانية استحالة تنفيذ «الحل الليبي» لاعتبارات متعددة يأتي في جانب منها عدم شهية القوى الاوروبية و«الأطلسية»، التي شاركت في اسقاط القذافي، للتدخل العسكري في سورية، وفي الجانب الأهم الموقف الروسي المتشدد الذي لايزال يشكل العقبة الكبرى امام اي مشروع لاستصدار قرار من مجلس الأمن يجيز إنهاء حكم الأسد بالقوة العسكرية. والواقع ان التصلب الروسي المستمر حيال اي مشروع أممي يستهدف دمشق، حتى في ذروة الاستنفار الدولي بعد مجزرة الحولة، يؤكد استحالة التعويل على أي تغيير في موقف موسكو تجاه الأزمة السورية.
ـ الثالثة عدم صلاحية «الحل اليمني» للتطبيق في سورية، وهو الحل الذي ترتكز عليه خطة أنان والذي يقوم على تأمين انتقال سلمي للسلطة على قاعدة إزاحة رأس النظام مع الإبقاء على باقي مكوناته كما حصل مع علي عبدلله صالح في صنعاء. والواقع أن ما يفقد «الحل اليمني» إمكان تطبيقه في دمشق يكمن في الدرجة الأولى في الاختلاف الكبير في طبيعة الثورة ومكوناتها في اليمن وسورية. وفي الدرجة الثانية في طبيعة النظام المنتفض ضده في دمشق والذي يشكل بنيانا متكاملا يترابط فيه الرأس الرئيس، مع العائلة، والجيش والأمن والمؤسسات، وعلى نحو لا يترك مجالا للفصل بين هذه المكونات، يمنع أي تسوية مع أي منها من جانب المعارضة، ويفرض إنهاء حضورها كلها بحكم أنها جسم واحد.
هل من بدائل أو خطوات تساهم في معالجة الوضع؟
مجلس الأمن سيجري مراجعة الشهر المقبل بانتهاء تفويض الأشهر الثلاثة التي أعطيت للمراقبين الدوليين الـ 300 للسعي الى التهدئة في سورية، لكن زيادة عدد المراقبين ليس حلا، فإذا لم يكن من قرار لدى الفرقاء والدول المعنية كافة بوقف العنف، فإن 3 آلاف مراقب لن يتمكنوا من ذلك. وموسكو على اتصال بأنان للاطلاع على السعي الى عقد اجتماع دولي تنبثق منه مجموعة اتصال من الدول المهتمة والمعنية بأوضاع سورية لمتابعة كيفية المساعدة في معالجة أزمتها وللحيلولة دون نشوء وضع متفجر على الصعيد الإقليمي. والانطباع العام أن الجانب الروسي يمارس ضغوطه على الجانب السوري وراء الستار، أكثر من الموقف المعلن، إذ ان موسكو ليست متمسكة ببقاء الرئيس السوري، لكنها تخشى من أن يؤدي عدم وضوح البديل الى الفوضى وألا تتكرر تجربتا العراق وليبيا، وألا تسيطر التنظيمات الإسلامية على الوضع لأن هذا يؤثر فيها مباشرة.