بيروت ـ د.ناصر زيدان
يتميز صيف لبنان بالمهرجانات السياحية الفنية، تملأ أجواءه صخبا محببا، يلتقي فيها كبار الفنانين والمبدعين من مختلف أنحاء العالم، ويقصد مدرجاتها الذواقة من مختلف المناطق اللبنانية، ومن الجنسيات المتعددة والمتنوعة. وتنتشر أماكن هذه الاحتفالات على مساحة الوطن، من بعلبك الى جبيل الى صور الى جونية الى بيروت، حتى بيت الدين. بيت الدين، نقطة الوسط، في الجغرافيا، تتوسط لبنان بين أقصى الشمال وآخر موقع في الجنوب، وهي في منتصف الطريق بين الشواطئ وقمم جبل الشيخ، وتقع على هضاب تتقاطع فوقها هبات الهواء الرطب القادم من فوق البحر ونسيمات البرودة الآتية من أعالي جبل الباروك، محملة بعبق الأرز الخالد.
وفي التاريخ، كانت بيت الدين، بيت دين للزاهدين من الموحدين، قبل أن تصبح مقرا لحكام الامارة اللبنانية. نقلت حجارة حيطانها من عكار، منذ أكثر من مائتي عام على أكتاف البسطاء، ووصلت اليها المياه من نبع الصفا في قناة طويلة، أبدع أخوت «شاناي» في طريقة إنشائها، حيث كل مواطن من الامارة حفر بطول قامته من مسافتها المتعرجة بين الصخور الوعرة والوديان الأخاذة.
فرقت بيت الدين السياسيين عبر التاريخ ـ كما حصل بين بشير جنبلاط وبشير الشهابي عام 1823، وجمعت القيادات في أكثر من محطة، لعل أهمها في العام 1989 عندما اجتمعت اللجنة السداسية العربية برئاسة صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد (وزير خارجية الكويت وقتذاك)، ومن ثم اجتماعات الحوار الوطني ولقاءات المصالحة بين أبناء الجبل، وهي المقر الصيفي لرئاسة الجمهورية.
من شاهد افتتاح مهرجانات بيت الدين هذا العام في 28 يونيو كأنما أطل على مشهد يختصر الحياة اللبنانية برمتها، في ماضيها وحاضرها اللذين يرسمان لوحة المستقبل. الساحات الخارجية جمعت الشخصيات اللبنانية (ومواكبهم) من مختلف الاتجاهات والمشارب والألوان، السياسيين والعسكريين والإداريين ورجال الاعمال والأدباء والمفكرين والفنانين، وبينهم تسمع حديثا بكل اللغات، منهم، ومن الديبلوماسيين والأجانب، إلا أن المزهرية المزركشة كان ينقصها وردة الكوفية الخليجية التي تركت فراغا هائلا في غيابها هذا العام.
كل المختلفين في الخارج متفقون أمام عظمة لوحة كركلا، بعيدا عن ضجيج الاعتصامات، وحرق الدواليب، والمقاطعات السياسية. ولا تسمع في بيت الدين صيحات المتظاهرين من أساتذة وعمال وموظفين. كأنما الجميع وصلوا الى حقوقهم امام رونق المشهد.
سحر قناطر قصر بيت الدين، وروعة ردهات المسرح ولوحاته التراثية الاخاذة، لا يقلان تأثيرا على المشاهد عن عبقرية كركلا ومشربيات ألف ليلة وليلة، وقصة شهريار، وكيف كان ما كان عندما انتصر الحب على السيف الذي سقط من يد الجلاد عندما أصابه الرعب من رقة الانوثة.
العبرة في مهرجانات بيت الدين هذا العام: كيف انتصرت أسطورة كركلا على السياسة في باحات القصر الشهابي وبإدارة الست الجنبلاطية لمشهدية سياسة الفن المستوحاة من فن السياسة.