بيروت ـ د.ناصر زيدان
تجاوز لبنان الكثير من المطبات الامنية التي كادت تثير اضطرابات واسعة لولا وجود القرار السياسي الواضح القاضي بالحفاظ على الاستقرار، والاجهزة الامنية اللبنانية التي تهمشت ابان مرحلة الوصاية السورية اثبتت مهنيتها وجدارتها خلال حقبة قصيرة بعد خروج القوات السورية، خصوصا في تعاملها مع تبعات اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
في مجموعة من المحطات الامنية القاسية، خضعت الاجهزة الامنية اللبنانية لاختبارات صعبة، في نوعيتها، وفي مضمونها، وحصل ارباك عند هذه القوى في طريقة التعامل مع بعض الاحداث كاد ان يصل الى حد التمايز فيما بينها في طريقة التعامل مع حدث واحد، كي لا نقول: ان مستوى التنسيق بين الاجهزة كان منعدما مما اربك قواها وقدم خدمة مجانية للجناة.
ان يصل الامر الى حد قول وزير الاتصالات نقولا صحناوي ان هناك اجهزة امنية صديقة واجهزة غير صديقة، فهذا مما لا يجوز القفز فوقه، او المرور عليه مرور الكرام، لأنه صادر عن شخصية مسؤولة في الدولة التي يفترض ان تتبع لها الاجهزة بصرف النظر عن القوى التي تتولى زمام الحكم.
اما الكلام عن ان الامن في لبنان بالتراضي فهو يصدر كل يوم عن مسؤولين في الحكومة وفي المعارضة على السواء، وهو يخفي في طياته انتقادا لطريقة عمل الاجهزة الامنية بما فيها الجيش اللبناني.
قائد الجيش العماد قهوجي رد على هؤلاء بالقول: ان الامن في لبنان بالحكمة وليس بالتراضي، وهو بذلك يدافع عن دور مؤسسته التي يعول عليها اللبنانيون، والتي اخذت دور «قوات فصل» في احداث طرابلس، وتراجعت خطوتين الى الوراء في عكار عندما وقعت جريمة اغتيال الشيخ عبدالأحد ورفيقه، ولم تتدخل في عمليات قمع الذين يعتدون على الانتظام العام بقطع الطرقات الحيوية في اكثر من منطقة من لبنان، بصرف النظر عن مطالب هؤلاء، لأن صاحب المطلب المحق ـ سواء بعودة ابنائه المخطوفين او المحروم من الكهرباء ومن حقوقه الوظيفية او الذي يحمل مطالب سياسية مشروعة مثل حصر السلاح بيد الدولة او الاحتجاج على بعض القرارات القضائية ـ لا يجوز له الاعتداء على مصالح اللبنانيين جميعا من اجل الوصول الى حقوقه.
الارباكات التي تعيشها الاجهزة الامنية من جراء التغطية السياسية لبعض الاحداث الامنية ارخت بظلها على الساحة واستفاد منها المجرمون في عمليات الخطف والسرقات، وشجعت العصابات المأجورة على ارتكاب افعال تستهدف الاستقرار، كما انها شكلت بيئة حاضنة لمحاولات الاغتيال التي استهدفت قيادات فاعلة وآخرهم النائب بطرس حرب وهي تهدد قيادات اساسية اخرى.
اوساط متابعة لما يجري ترى ان القرار السياسي بعدم الدخول في حرب اهلية لا يكفي لمنع الاضطراب، والامر يحتاج الى غطاء جدي ـ لا لبس فيه ـ للجيش وللاجهزة الامنية جميعا، لمواجهة اي اعتداء على الامن في لبنان، وهذه الاجهزة قادرة فيما لو منعت التدخلات في شؤونها، على ضبط الاوضاع، شرط ان تتحمل قيادات هذه الاجهزة المسؤولية الكاملة عن اي خلل.
وحزب الله مطالب اكثر من غيره واكثر من اي وقت مضى بأخذ الاعتبارات الوطنية ـ وفي هذه المرحلة بالذات ـ كأولوية تتقدم على الامن الخاص لبعض عناصر المقاومة الذين يستفيدون حكما من استقرار الامن الوطني كي لا تبدو المقاومة كأنها بيئة حاضنة للمخلين بالامن والمستهترين بالاستقرار.
ان الامن في لبنان لا يمكن ان يكون بالتراضي، كما ان الامن بالحكمة لا يكفي اذا لم يكن وفقا للقانون، فالقانون هو المفصل لوضع حد للعابثين بالامن، وهو المرجع لمحاسبة الاجهزة الامنية عن اي تقصير.