بيروت ـ د.ناصر زيدان
لا تُبدي السفيرة الأميركية في بيروت مورا كونيلي أي حماسة لانتصارات الثوار في سورية، ولا تتحدث عن التقدم الذي أحرزوه في مواجهة النظام، وهي تتعمد طمأنة محدثيها الى أن الاخبار عن إصابة ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري غير صحيحة، وتكتفي بالدعوة الى رعاية شؤون اللاجئين السوريين، وعدم التعرض للمعارضين منهم.يستوقف الهدوء الاميركي في التعاطي مع أحداث سورية حشرية المراقبين، ومنهم مراقبين أصدقاء لواشنطن. وقد زادت نسبة التساؤل عند هؤلاء، عندما دعت الخارجية الاميركية السلطات اللبنانية الى اعتماد الشفافية في التعامل مع قضية توقيف الوزير السابق ميشال سماحة.
وتوقيف ميشال سماحة جاء على خلفية ضلوعه في مخطط إرهابي يستهدف تفجير الاوضاع في لبنان، من ضمن مشروع رسمته وأعدته ومولته المخابرات السورية، يستهدف اغتيال قيادات سياسية ودينية وإعلاميين، وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية، بهدف حرف الانظار عن الانتهاكات الفظيعة التي يرتكبها النظام في سورية.
أما أوساط رجال الأمن والقضاء في لبنان فتشير الى أن الادلة على تورط سماحة دامغة، ولا تقبل التأويل أو الشكوك، وقلما توفقت الاجهزة الأمنية والجسم القضائي بمثل هذه الغنيمة لناحية غنى الملف بالبراهين القاطعة، والمؤكدة بالتسجيلات والوثائق والاعترافات، وهي قاطعة، ولا تستطيع شطارة المحامين، أو الحملات السياسية والاعلامية، التبديل في قوتها القانونية أو في مكانة عناصر الاثبات الواضحة فيها.
ماذا تقصد واشنطن بالدعوة الى اعتماد الشفافية في قضية توقيف سماحة؟ ولمن توجه هذه الدعوة؟
المتعارف عليه في اللغة الديبلوماسية، أو في السياق السياسي العام، ان التعليق على موقف أو حدث ما، عادة ما يتضمن تأييد أو معارضة أو رغبة معينة في توجيه الاحداث الى المسارات المرجوة، فيما لو كان الأمر مثار شكوك أو انه ليس على تطابق مع رغبات الجهة المعنية.
تعليق الادارة الاميركية ظهر بالشكل كأنه يحمل شكوكا حول طريقة التعامل مع الملف الاحمر من قبل السلطات اللبنانية المعنية، وكان موقفها أقرب الى التصريحات المرتبكة لقوى 8 آذار المؤيدة لنظام الاسد، وأبعد عن تشخيصات القوى الوسطية وقوى 14 آذار. فهل فعلا لدى الادارة الاميركية مخاوف من عدم سلوك الملف ـ القضائي بامتياز ـ الطريق الصحيح؟ وبمعنى آخر هل لهذه الادارة شكوك في أن يقع ظلم على سماحة والمشتركين معه من القيادات الأمنية والسياسية السورية؟ بالتأكيد لا، ولكن هناك شيء آخر غير معلن.
لا يوجد ما يبرر الموقف الاميركي المستهجن، إلا إذا كان هناك خشية أميركية من أن يحدث الملف تأثيرا مباشرا على مسار التطورات في سورية، خارج وتيرة السياق الهادئ الذي تريده واشنطن لهذه التطورات ـ أقله لتأجيل حسمها الى ما بعد الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل ـ خاصة أن الملف مثقل بالأدلة الدامغة، وتصل شظاياه الى المس المباشر بشخص الرئيس بشار الاسد، على اعتبار أن سماحة مستشاره الخاص، ولا يمكن أن يقدم على أي عمل دون أوامر مباشرة منه ـ والإدارة الاميركية تتمهل في حسم موقفها من مصير الأسد بانتظار الاتفاق على البديل الذي يرضي إسرائيل بالدرجة الاولى، ويؤمن استقرار المصالح الدولة، لاسيما الأميركية والروسية، ولا يوجد تعارض بين الدولتين العظميين على ما تظهره سياق الأحداث.
لعل ما سبق يبرر معارضة واشنطن إدخال أسلحة متطورة للجيش السوري الحر، خاصة الاسلحة المضادة للطيران، وعدم مفاوضتها لموسكو حول مستقبل الأوضاع. وقد يكفل هذا الحوار الذي تنتظره روسيا إنهاء المأساة السورية في وقت قصير جدا.
التساؤلات عن غموض الموقف الأميركي من توقيف سماحة، مشروعة، لأن إدانة العمل، وتأييد الإجراءات المتبعة بحقه، كان الموقف الأميركي المنتظر.