بيروت ـ د.ناصر زيدان
يقول مسؤول سوري كبير ان موقف الرئيس ميشال سليمان فعل هجومي كبير، ولا يقل عما تتعرض له سورية داخليا على أيدي مجموعات إرهابية. ذلك ما نقلته صحيفة «السفير»، ولم يصدر أي نفي سوري لهذا الكلام، بل ان الاجواء الملبدة بين بعبدا و«قصر المهاجرين» تأكدت من خلال مجموعة من المعطيات القاطعة في رسائل نقلها بعض حلفاء النظام السوري، ووسائل إعلامهم، وفي عدم تهنئة الرئيس سليمان للرئيس بشار الاسد في عيد الفطر، وهي المرة الاولى التي لا يجري فيها اتصال بهذه المناسبة منذ تسلّم سليمان للرئاسة، وحتى قبل ذلك عندما كان قائدا للجيش.
الرئيس ميشال سليمان يلتزم الصمت إزاء الحملة التي يتعرض لها على هذه الخلفية، إلا أنه في المقابل لا يريد الانصياع الى التهديدات، وهو باق على وسطيته كرئيس توافقي، يراعي المصلحة الوطنية في مواقفه التي تلامس مقاربات الفرقاء المتخاصمين على الساحة اللبنانية، لاسيما في قوى 8 و14 آذار، دون أن يكون ذلك على حساب قناعته الشخصية.
الاوساط المتابعة لحركة رئيس الجمهورية اللبنانية ترى، ان المسايرة للجانب السوري في موضوع الأمن اللبناني غير واردة. والرئيس سليمان قد توصل الى قناعة أكدتها الوقائع، ان هناك خطة لإرباك الساحة اللبنانية أمنيا، وصولا الى محاولة خلق فتنة بين اللبنانيين، على خلفية ما يجري في سورية. وهناك مسؤولون سوريين كبار ضالعون في هذه العملية. وبينت ذلك اعترافات الوزير السابق ميشال سماحة (المعلن منها وغير المعلن) كما في معطيات أمنية وسياسية أخرى، خصوصا ما يتعلق بالمعلومات المتوافرة لما جرى في طرابلس.
وتتابع هذه الاوساط المتابعة قولها: ان الرئيس سليمان تحمل الكثير من أجل مراعاة الجانب الرسمي السوري، سواء في الجامعة العربية، أو في الأمم المتحدة، أو على المستوى الداخلي، حيث تم اتهامه من قبل المعارضة انه وراء سياسة النأي بالنفس، التي هي عمليا تخل عن الثورة السورية، بل وقوف ضدها.
وهذا واضح من خلال ممارسة بعض أجهزة الأمن اللبنانية بحق المعارضين السوريين وتسليمهم الى سلطات بلادهم. وأكبر دليل على ذلك، انه لم يلجأ أي من المنشقين عن النظام السوري الى لبنان، بينما هم يتوجهون الى تركيا أو الأردن، لأن السلطات اللبنانية الرسمية لا توفر لهم سبل الأمان والاستقرار.
وتتساءل هذه الأوساط: هل على الرئيس سليمان أن يساوم على استقرار لبنان وأمان شعبه لكي يرضى عليه بشار الاسد؟ وهل المطلوب من سليمان أن يتحول الى جزء من الماكينة القمعية للنظام السوري لكي «ينضب» خزان المأخذ عليه من قبل أجهزة النظام؟ خصوصا أن هذه الماكينة تحولت الى أداة قمع واضطراب في لبنان، وليس على الساحة السورية الدامية فقط.
المعطيات المتوافرة تؤكد أن الرئيس ميشال سليمان ليس بوارد الخروج من وسطيته، لكنه في المقابل لن يخضع للابتزاز أو التهديد، فهو سيشارك في قمة عدم الانحياز «المبتورة» في طهران. لكنه لن يقبل أن يكون جزءا مما يسمى «محور الممانعة» المتداعي. ولن ينجر في المقابل الى الردود على التسريبات الخبيثة التي تتهمه بالخضوع للرغبات التركية والقطرية. ولن يتوقف عندما تستخدمه اللغة الخشبية البائدة، في كلامهم عن وقوفه الى جانب «المتآمرين على سورية» من الأميركيين والإسرائيليين، وهؤلاء يخدمون أكثر من غيرهم النظام السوري، ويؤمنون له فرص البقاء، ويفرضون الصمت عن جرائمه، وفقا لما أثبتته تطورات الاحداث الدامية في سورية.
وقرار الرئيس سليمان واضح في أنه لن يسمح بالفوضى التي يشجع عليها أصدقاء النظام السوري، أو المرتبطون به، من مخبرين وعصابات سلب وخطف، وبعض من رموز العشائر التي لم يكن ظهورها على سطح الاحداث، فجأة، بريئا. فهم معروفون بالاسماء انهم كانوا يدورون في فلك المخابرات السورية، قبل أن تنسحب من لبنان، واستمروا على تواصل معها.
يبدو جليا أن الهوبرة والضغوط على الرئيس سليمان، وعلى القضاء، لكي يساوموا على توقيف ميشال سماحة بالجرم المشهود، لن تمر، ورسائل التهديد المبطنة، التي تم استخدامها مع هواة الغطس في السابق، ولت أيامها، وما يريده النظام السوري من الرئيس سليمان، لا يستطيع هذا الأخير أن يعطيه.