Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
مسيحيو سورية.. الولاء للوطن أفشل مخططات التخويف من الثورة
8 أكتوبر 2012
المصدر : القاهرة ـ أ.ش.أ
عندما اندلعت الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد في 15 مارس من العام الماضي 2011، حاول النظام العزف على الوتر الطائفي وابتكر شعارا نسبه للمتظاهرين الذين أطلق عليهم وصف «العصابات الارهابية»، في محاولة لتثبيت صفة الإجرام على الثوار، وأنهم يريدون تنقية سورية عرقيا لصالح طائفة بعينها وهم المسلمون السنة.
وكان هذا الشعار يقول «المسيحي ع بيروت والعلوي ع التابوت»، بمعنى أن الثوار هدفهم تهجير المسيحيين إلى لبنان وقتل العلويين، إلا أن هذا الشعار فنده المسيحيون الوطنيون الذين هم جزء من الحراك الشعبي الثوري امثال ميشيل كيلو وجورج صبرا وانور البني وبسام اسحق، حيث ان هذا النظام ومنذ صعود حافظ الأسد إلى سدة السلطة في سورية بعد انقلاب 1970 يعيش على مبدأ تخويف الكل من الكل حتى يجعل من نفسه ضامنا للأقليات.
ورغم ما اعترى المشهد المسيحي السوري من هدوء وتحفظ منذ بداية الثورة، قطعه ضجيج إعلان القيادة المشتركة للجيش السوري الحر، إن مجموعة من المسيحيين السوريين قاموا بتشكيل كتيبة «أنصار الله»، في ريف دمشق، إلا أن النضال المسيحي الممتد باعتبارهم جزءا أصيلا من الفسيفساء السورية استمر علانية تارة وفي الخفاء تارة أخرى.
وجاءت تحركات المسيحيين السوريين خلال الأحداث المتصاعدة تأكيدا على أن الثورة السورية هي ثورة كل السوريين، كما أن دعمهم الذي لم يعد خافيا دحر كل أكاذيب نظام بشار الأسد ومؤامراته على مكونات الشعب السوري المتمسك بوحدته الوطنية والترابية. فيما كرست وقائع الثورة مبدأ التجانس بين الشعب السوري بجميع مكوناته.
فالذي يذهب الى حلب ولاسيما منطقة الشيخ طه، يفاجئه مشهد
لا يوجد له مثيل بالعالم، حيث يقع اهم مسجد هناك وهو جامع التوحيد ذو الأربع مآذن الى جانب أحد أهم الكنائس السورية وهي كنيسة اللاتين، حيث يلتقيان في حديقة مشتركة بين المسجد والكنسية.
ولعل المتتبع للنموذج المسيحي في سورية، يمكنه أن يدرك بجلاء مدى التجانس والتواصل، الذي صنعت منه الثورة السورية وقودا، يضمن استمرارها ويكرس انتصارها رغم ما اعترى المعادلة السورية من تعقيدات، لعبت فيها القوى الإقليمية والدولية دورا كبيرا، بسبب تضارب المصالح وتعارض الأهداف.
وتحتفظ سورية لنفسها بموقع متميز وأهمية خاصة في تاريخ المسيحية، فمنها انطلق المبشرون والرسل لنشر الديانة المسيحية في أوروبا والعالم، وفي مقدمهم بولس الرسول، وفيها أهم المقدسات المسيحية من كنائس وأديرة وأضرحة. كما أن سورية قدمت للعالم سبعة باباوات وبعض الأباطرة الرومانيين الكبار.
ورغم أنه لم يبق فيها من المسيحيين العرب إلا ما يعادل نحو 8% من عدد السكان، بعد أن كانوا يشكلون حتى عام 1967 نحو 30%، إلا أنهم يمثلون أحد أهم وجوه الحراك السياسي والثقافي في الثورة السورية.
وبعد دخول الاسلام الى سورية ظل كثير من القبائل العربية على مسيحيتهم، حيث يذكر التاريخ ان نسبة المسيحيين في سورية «بلاد الشام» خلال القرن الاول الهجري وصلت إلى 90% من عدد السكان، رغم ان عاصمة الخلافة الإسلامية أصبحت في دمشق.
ومع تطور الأحداث في سورية بعد اندلاع الثورة في 15 مارس 2011، حاول بشار الأسد ونظامه استخدام الورقة المسيحية، لتعميق شروخ الشقاق بين المكونات السورية، بعد أن نجحت تلك السياسة كثيرا مع الجانب العلوي الذي استجاب نظرا لأن نظام الأسد ينتمي إليه طائفيا.
وعمد النظام في هذا الإطار الى عزل العماد علي حبيب وزير الدفاع وهو علوي في بدايات الثورة، وتعيين العماد داود راجحة وهو مسيحي وكان رئيسا للأركان بدلا منه، بغية جعل المسيحيين مشاركين في عرس الدم الممتد، وظل راجحة يقود وزارة الدفاع حتى قتل في تفجير خلية الأزمة الذي أنهى حياة كبار القادة السوريين في يوليو الماضي.
وحين تسارعت وتيرة الثورة وبدأت تظهر الكتائب المسلحة كان النشاط المسيحي مقتصرا على وجود أسماء مشهورة بين المعارضين، إلا أن قصف الكنائس مثل «ام الزنار» في حمص وكنائس «حوران» وكنيسة الارمن في دير الزور دفع عددا من الشباب المسيحيين الى الانخراط في صفوف الحراك الثوري المسلح.
وقد أنشأ عدد منهم الكتيبة التي انضمت الى الجيش الحر، لكن النظام استمر في سياسة تخويف الكل من الكل وحاول شراء الأرمن في حلب لاسيما أنهم يملكون نسبة كبيرة من الاقتصاد الحلبي، وقام بتسليح الأحياء المسيحية الأرمنية لاسيما منطقتي السليمانية والعزيزية في حلب.
وحين استطاع الجيش الحر اقتحام حلب مؤخرا، ترددت أنباء عن صدامات بينهم وبعض المسلحين من الأرمن الداعمين للنظام وهذا موقف شاذ قياسا بالموقف المسيحي العام بسورية المؤيد للثورة.
ففي أثناء حصار الأحياء السنية في حمص فتحت كنائس حمص أبوابها للاجئين والأيتام، وتعرضت الكثير منها للدمار لاسيما منطقة الحميدية، وحين اقتحم الثوار حي الميدان في حلب «ذي غالبية مسيحية» قام النظام بتدمير الكنائس هناك لأن المسيحيين وقفوا مع الجيش الحر.
وليس ثمة شك في أن تمسك المسيحيين في سورية بالولاء للوطن أولا، باعتبارهم جزءا أصيلا من نسيج الشعب، سوف يجعلهم على الدوام يحتمون بالمسلمين الذين يحتمون بهم بدورهم عندما يتطلب الأمر.
فحين دخل الاحتلال الفرنسي دمشق عام 1920، وقف المسيحيون الى جانب المسلمين في نضالهم ضد الفرنسيين، ومن أشهر رجالات الكتلة الوطنية فارس بك الخوري وهو مسيحي بروتستانتي، اي من أقلية الاقلية، وهو الرجل الذي استطاع ان يحصل على صك الجلاء واستقلال سورية في حادثة شهيرة بالأمم المتحدة وجلا الفرنسيون فعلا في 17 أبريل 1946.
وحين خرج المستعمر الفرنسي وصلت شخصيات مسيحية كثيرة الى البرلمان والوزارات، فيما قاد فارس بك الخوري الحكومة، وعرف عن التعامل السوري بكل اطيافه انه تعامل قائم على الود والاحترام وان سورية بلد جذب فئات كثيرة من خارج سورية.
وسوف يظل موقف فارس الاستقلال الوطني السوري «فارس الخوري» محفورا في التاريخ، عندما رد من «الجامع الأموي» على مزاعم القائد الفرنسي المحتل الجنرال غورو «إذا كانت فرنسا تدعي أنها احتلت سورية لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا كمسيحي من هذا المنبر أقول: أشهد أن لا إله إلا الله» فأقبل عليه المصلون وحملوه على الأكتاف وجابوا به شوارع دمشق القديمة، حيث استقبله المسيحيون وهم يهتفون لا إله إلا الله في مشهد وطني رائع، ربما يسعى مسيحيو سورية إلى استحضاره الآن من خلال مواقفهم الوطنية في الثورة ضد نظام الأسد.