بيروت ـ د.ناصر زيدان
منذ أكثر من 35 عاما تحكمت الاعتبارات الأمنية في مفاصل الحياة السياسية اللبنانية، وحصلت حروب متعددة، داخلية وخارجية، لعل أبرزها الاجتياح عام 1982 التي قامت به إسرائيل، واعتداءاتها المتعددة، والحروب التي جرت بالاصالة وبالواسطة بين الاطراف اللبنانية، وكلها دفع ثمنها المواطن، دون أن يكون لهذا المواطن أدنى تأثير على مجريات هذه الاحداث، لأن الاعتبارات الأمنية كانت الأهم، وهذه الاعتبارات غالبا لا يعرف أحد تفاصيلها، ولا أهدافها.
وتساهم الدعاية في إعلاء شأن خفايا لم تكن موجودة في غالب الاحيان، وبالتالي تستنفر المجموعات السياسية والطائفية والمذهبية ضد بعضها البعض، وتقع المشكلة، ويسقط الضحايا، ويبدأ سيناريو التفسيرات لما جرى، حيث يستقر الرأي على أنه مؤامرة (أميركية وصهيونية معظم الأحيان). اسرائيل اعتدت على لبنان، وسببت له مآسي لا تحصى، ولكنها لم تكن السبب الوحيد لمشاكله، فقد ارتكبت القوى السياسية اللبنانية والمجموعات المرتبطة بأجهزة الأمن السورية أخطاء، وسببت انقسامات وضحايا، وأنتجت مشكلات للبنانيين، لا تعد ولا تحصى، ودائما بحجة الصمود، أو المقاومة، أو الممانعة، أو لمحاربة العدو المتربص شرا. وكان لبنان في الحقبة الماضية ما يشبه صندوق بريد، (وبطرود مفخخة)، بين بعض الدول العربية والاقليمية وإسرائيل، وبين بعض الدول العربية وبعضها الآخر، وفي معظم الأحيان، استخدمه النظام السوري لهذه المهمة، وغالبا بغطاء دولي، كما حصل في العام 1991.
يحاول هذا النظام الاستمرار في تحميل لبنان هذا الدور مجددا، كما يعمل على استخدامه في معركته مع الثوار في سورية، من خلال الاستفادة من أصدقائه اللبنانيين، وتجنيدهم في صفوفه (تحت شعار ان ما يجري مؤامرة تستهدف قوى الممانعة) وفي توصيل الرسائل المفخخة، وغايتها تخويف مكوناته الشعبية ـ خصوصا المسيحيين ـ وتهدف أيضا الى تخويف الدول الغربية من المستقبل غير المضمون أمنيا، إذا ما سقط النظام في سورية.
تؤكد المعلومات المتوافرة من عدة مصادر، أن السياسة التي تستند الى الأمن سقطت، ولم يعد «التخويف» الأمني هو الاستثمار الوحيد للتحكم في اللعبة السياسية، وقد تجاوز اللبنانيون مجموعة من المطبات والأفخاخ التي نصبت لهم في السنوات الماضية، نظرا لتوافر وعي شعبي، أدرك أن المؤامرة ليست في استهداف الانظمة الأمنية، بل ان النمط الأمني غالبا ما يصنع المؤامرة للحفاظ على بقائه في السلطة.
إن نجاح القوى الأمنية اللبنانية في كشف مجموعة من الاستهدافات، وخطط التفجير، وبمهنية عالية، أزالت ورقة التين عن خبايا السياسات الأمنية. ان الاتصالات التي أجراها رئيس كتلة المستقبل فؤاد السنيورة مع الرئيس نبيه بري ورئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى عبدالأمير قبلان، طالبا تدارك أخطار مشاركة لبنانيين في أحداث سورية ومستنكرا التهديدات التي أطلقت ضد الضاحية الجنوبية، تعتبر مدماكا أساسيا في بناء مستقبل لا يستند الى الاعتبارات الأمنية، وتؤسس لمقاربة تعتمد تغليب السياسة على الأمن، وتسحب البساط من تحت أقدام أصحاب نظريات المؤامرة. الاستبداد من خلال الأمن، أضر بالحياة السياسية اللبنانية، وخرب الاقتصاد، وزاد من الشرذمة الاجتماعية بين المكونات اللبنانية. فهل بدأ عصر الانكشاف، وسقطت مرحلة السياسات الأمنية، كما يرغب في ذلك معظم اللبنانيون؟