«تمخض جبل الإبراهيمي عن فأر الهدنة». هذا واحد من التعليقات السياسية التي تصدر بعد جولة قام بها المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي في المنطقة وشملت مصر وإيران والعراق وتركيا ولم يتمخض عنها إلا اقتراحه الداعي الى تحقيق هدنة في عيد الأضحى، ولكن من دون أن يكون هذا الاقتراح مقرونا بأفكار محددة وعملية، تتضمن آلية لمراقبة وقف النار أو تحمل صيغة ومبادرة ما للحل. وهذا ما حدا بكثيرين الى اعتبار أن الإبراهيمي اكتشف سريعا حجم الأزمة وعمقها وخطورتها وأنه سيعود من دمشق كل مرة يزورها بـ «خفي أنان» وستلقى مهمته المصير ذاته الذي لقيته مهمة كوفي أنان. ولذلك عمد الإبراهيمي الى خفض سقف طموحاته الى حد أنها لم تعد تتجاوز ترتيب «هدنة العيد»، كما لجأ الى ديبلوماسية التحذير والرسائل الساخنة الموجهة أولا الى دول الجوار لإقناعها بالانخراط الجدي في التسوية السياسية للأزمة السورية ومعالجتها قبل فوات الأوان وقبل أن تمتد الأزمة إليها لتأكل الأخضر واليابس.
ولكن ثمة من يدعو الى عدم الاستعجال في الحكم على مهمة الإبراهيمي بالفشل والى عدم التقليل من إنجاز «هدنة الأضحى» في حال تحققت. فالإبراهيمي يعتمد سياسة النفس الطويل ولديه خبرة في إدارة مفاوضات ماراثونية، وهو أراد البدء من نقطة ما حددها في «هدنة العيد» التي إذا ما تحققت ستكون إنجازا واختراقا ولو كان بحجم إبرة في جدار عال. وإذا كان الإبراهيمي يلعب حاليا في الوقت الأميركي الضائع، فإنه يؤسس عبر هذا الاقتراح لمرحلة جديدة يوسع فيها مروحة أفكاره وتشهد انطلاقة مرحلة الحل السياسي الذي سيسير في طريق طويل ومتعرج وربما تطلب إنضاجه مزيدا من النار والدماء والدمار في سورية.. وثمة شيء يختلف في الظروف المحيطة بمهمة الإبراهيمي مقارنة بتلك التي أحاطت بظروف مهمة أنان، وما يختلف أن هناك مناخا دوليا إقليميا بات ميالا للتسوية السياسية في سورية، لا بل ضاغطا في اتجاهها وانطلاقا من أن الوقت قد حان لها وعلى أساس قناعات ترسخت بفعل التجارب والوقائع هي:
1 ـ الحل العسكري للأزمة السورية مستحيل: المعارضة غير قادرة على إسقاط الأسد بقوة السلاح ولذلك بدأ حلفاؤها وداعموها يضيقون ذرعا بها.. والنظام ليس قادرا على الحسم العسكري ولذلك بدأ يثير تبرم حلفائه وتساؤلاتهم.
2 ـ الأزمة السورية خرجت عن مسارها الأساسي ولم تعد تشبه أيا من أزمات وثورات دول الربيع العربي. فقد باتت أزمة تفيض على دول الجوار ومصدر تهديد للأمن والاستقرار في المنطقة.
3 ـ كل الأطراف المعنية بالأزمة في حال إرباك وإحراج: الأميركيون لديهم شكوك في تماسك وهوية المعارضة السورية، الأتراك خائبون من الغرب ويدعو الى مفاوضات ثلاثية ولم يتصوروا صمود نظام الأسد كل هذه الفترة، الفرنسيون تحولوا من الحكومة الانتقالية في سورية الى سياسة دعم المناطق المحررة، الإيرانيون يقترحون فترة انتقالية وتنظيم عملية انتقال سياسي عبر الحوار وفي ظل الأسد، والروس ينتظرون مفاوضات جدية مع الأميركيين بعد الانتخابات.
الأزمة السورية وصلت الآن الى مفترق حاسم: إما أن تسلك طريق الحرب الداخلية المدمرة ومن دون أفق ونهاية.. وإما أن تسلك طريق التسوية والحل السياسي الذي يحدد له أفق زمني هو ربيع العام 2013 وعلى يد الإبراهيمي الذي هندس «الطائف اللبناني» وسيكون عراب الطائف السوري (تقاسم السلطة بين الطوائف والمجموعات بدل التقسيم) مطعما بالنموذج العراقي (فيدرالية المناطق والأقاليم على أن يكون في سورية 4 بدلا من 3 بوجود الإقليم الدرزي). أما تفاصيل المرحلة الانتقالية والحكومة التي ترعاها ومسألة تنحي الأسد أو بقائه حتى العام 2014، فإنها تحدد في ضوء التطورات الميدانية والسياسية التي ستطرأ في فترة الأشهر الـ 3 المقبلة.