Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
الأزمة السورية: أضواء على الأقليتين الكردية والعلوية ومستقبل «العلاقة الاشتباكية» مع تركيا
24 نوفمبر 2012
المصدر : الأنباء
ثمة اعتقاد أن تسارع التطورات والفوضى في سورية سيؤدي الى انشقاق وتقسيم البلد، والى أن يتحقق السيناريو الأقرب إلى النموذج العراقي، حيث نشأت مناطق خاضعة لسيطرة شبه مستقلة. وما توحيه التصورات والتقديرات هو أنه كلما طال أمد الأزمة وتأخر سقوط النظام، زادت احتمالات اتجاه الصراع نحو نوع من البلقنة الإقليمية، خصوصا مع بروز توجه كردي الى الانفصال وإقامة حكم ذاتي على غرار ما يتمتع به أقرانهم في كردستان العراق، وتوجه علوي الى حفظ كيانهم لاسيما بعد سقوط الأسد. وهذا ما أثار مخاوف تركيا وانزعاجها.
الأكراد: كيان الحكم الذاتي
التطورات الأخيرة في سورية أعادت خلط الأوراق، فبرزت الورقة الكردية من جديد على كل المستويات، السياسية والأمنية والاجتماعية.. منذ البداية لزم الأكراد ما يشبه الحياد في الأزمة السورية. لم ينخرطوا في الحراك كما كانت تأمل المعارضة، ولم يشايعوا النظام كما فعلت أقليات أخرى. ولم تفلح كل مؤتمرات «المجلس الوطني» من اسطنبول إلى القاهرة في ضمهم إلى صفوف المعارضة، كما لم تفلح كل الإغراءات التي قدمها النظام منذ البداية في دفعهم إلى الدفاع عنه. لم يغفروا للبعث في دمشق محاولات طمس هويتهم القومية (تعريب الأكراد، حرمان عشرات الآلاف منهم من بطاقات الهوية). لن يصلوا إلى مرحلة المطالبة بالاستقلال، ولكن لا بأس من تكريس أمر واقع قد يتحول إلى ما يشبه الإقليم الفيدرالي كما في كردستان العراق.
وبالفعل خطا أكراد سورية (يشكلون 10% الى 20% من الشعب السوري) خطوة تجاه الحكم الذاتي في الأراضي السورية، بعدما اقتنصوا فرصة اندلاع الثورة السورية للحصول على حكم ذاتي، لاسيما بعدما سلم النظام السلطة في المدن والقرى التي يقطنها الأكراد في مناطق شمال شرق سورية وشمال غربها على الحدود مع تركيا الى حزب الاتحاد الديموقراطي (الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني)، الذي رفع الأعلام الكردية على الإدارات والمؤسسات والمباني وصور زعيم «الكردستاني» عبدلله أوجلان، وفتح المدارس لتعليم اللغة الكردية، وأقام حواجز تفتيش، بالتوازي مع تدريبات لكوادره لإدارة هذه المناطق أمنيا وإداريا وسياسيا واجتماعيا، والعمل على توسيع نطاق سيطرته. وأبرم مع المجلس الوطني الكردي المؤلف من 16 حزبا سياسيا اتفاقا سياسيا ينص على تأسيس مجلس أعلى كردي مشترك. كما أنشأ أيضا «قوات الدفاع الشعبي» من أجل تأمين المكاسب الكردية، ولجنة عليا مشتركة لإدارة المناطق الكردية. ويتدفق آلاف مقاتلي «البشمركة» من كردستان العراقية الى الجيب الكردي الجديد في سورية ويعززونه. وسيكون لأي حكم ذاتي يحصل عليه الأكراد في سورية تداعيات على الأقليات الكردية في تركيا وايران المجاورتين، وسيساهم في إنشاء «هلال كردي» ملتهب يطوق تركيا، عبر حدودها في الجنوب من إيران مرورا بالعراق فسورية، ويكون شوكة في خاصرتها، وينقل المعركة إلى أراضيها فيما لو حاولت التقدم باتجاه الأراضي السورية لإقامة منطقة عازلة أو آمنة. لاتزال القضية الكردية تقض مضجع الأتراك، لأنهم يؤلفون 20% إلى 25% من سكان تركيا ولا يمكن التعامل معهم كأقلية عابرة. وما يحدث في سورية زاد من قلق تركيا بشأن تمكين الأكراد في منطقة الشرق الأوسط، ومن احتمال عودة الحكومة السورية إلى سياستها القديمة من خلال محاولة إضعافها عن طريق دعم حزب العمال الكردستاني وتعقيد مشكلة الأكراد حتى تغدو مستعصية على الحل. إن أسوأ تداعيات الحرب الأهلية في سورية على تركيا هو الزيت الذي تسكبه على نار الصراع بين أنقرة ومتمردي حزب العمال الكردستاني، حيث ازدادت حدة الاشتباكات بشكل كبير في جنوب شرقي البلاد على مدار الأشهر الماضية. واتهمت تركيا صراحة النظام السوري بدعم الأكراد لوجستيا وعسكريا، ولمحت إلى تورط إيران. كما هددت باستهداف المناطق الكردية التي انسحب منها الأمن السوري إن تحولت لقواعد تشن منها عمليات عسكرية ضدها. الوضع الجديد في المناطق الكردية السورية أزعج السلطات التركية، فمند 3 عقود تقريبا وحزب العمال الكردستاني المحظور يقود حرب عصابات في المناطق الكردية في تركيا، كما أعلن مسؤوليته عن عدة تفجيرات في تركيا، ضمن سعيه لإقامة دولة كردية مستقلة أو حكم ذاتي على الأقل. وإن كان لسورية دور فعلي في دعم الأكراد، فيمكن القول إنها حرب بالوكالة يخوضها النظام لإرساء «توازن رعب» مع أنقرة، وعلى ما يبدو، فإن حدتها ستزداد تباعا في الأشهر المقبلة.
أمام هذه المعضلة سعت أنقرة إلى اجتراح الحلول للتصدي للخطر الكردي، فوجدت نفسها أمام خيارين: الخيار الأمني، وخيار احتواء الأزمة، والخيار الثاني هو الأفضل لأنقرة حتى لا تصل إلى الانفجار وتعاظم الأزمات مع إيران وسورية والعراق، إذ ان التوقيت ليس مناسبا للتهور وفتح جبهات قد تغرق تركيا في حرب مدمرة. في الواقع لقد أدى التبدل في إستراتيجية حزب العمال الكردستاني إلى كبح الجماح التركي، وإلى طرح رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان مجددا ورقة التفاوض مع الأكراد، فطلب الحوار مجددا مع حزب العمال الكردستاني، إذ أدرك أنه لا يمكن حل المشكلة عسكريا. لطالما كانت تركيا ترفض فكرة نشوء دولة كردية مستقلة أو كيان كردي مشابه في أي مكان من المنطقة خشية أن تطالب الجماعات الكردية في تركيا بالأمر نفسه. لكن بلقنة سورية تشكل فرصة بالنسبة إليها، ما يجعلها تغير حساباتها في ظل احتمال غياب الاستقرار بصورة مزمنة في الدول العربية السنية المجاورة، ونظرا إلى الحاجة إلى التصدي لمحور إيران الشيعي الذي يمتد حاليا من بغداد عبر نظام الأسد وإلى حزب الله في لبنان. الوضع الراهن يشكل لحظة فارقة في تاريخ الأكراد. فقد يقلب الأكراد التحالفات التي سادت في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى رأسا على عقب، ولكنهم لا يستطيعون فعل ذلك من دون تركيا. إنها في الواقع لحظة تاريخية لأكراد تركيا والشرق الأوسط عموما، وذلك إذا لعبت أنقرة دورا إيجابيا في الداخل.
العلويون: مشروع الدولة البديلة
كما يحاول الأكراد استثمار الأزمة السورية لتشكيل دولتهم المنشودة، فإن العلويين يمنون أنفسهم بدولة تحفظ لهم كيانهم القلق وسط زخم سني كبير، ووسط مخاوف من الحكم البديل بعد الأسد ومن سيحل محله، وقلق من الانتقام وتحميلهم خطايا النظام، على رغم أن تلك الدولة تواجه بـ «فيتو» تركي صارم نظرا لما تمثله من تهديد للدولة التركية. وما يشجع على ذلك هو انتشار العلويين في مساحات جغرافية متقاربة من بعضها، حيث يكثر تواجد العلويين في المناطق الساحلية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، هذه المناطق تشكل حاليا أشبه بإقليم علوي متصل أساسا بلواء الاسكندرونة. الخارطة الجغرافية للعلويين تشكل زاوية قائمة بين سورية وتركيا ابتداء من شمال لبنان (عكار) صعودا باتجاه شمال غرب سورية، ثم ينحرف الاقليم يسارا في جنوب شرق تركيا. ويتوزع على الجانبين نحو 3 ملايين نسمة، يسكن قرابة الثلثين منهم في الجانب السوري. في تركيا تطلق كلمة «علوي» على جميع الطوائف المسلمة غير السنية، وهؤلاء تقدر أعدادهم بنحو 20 مليون نسمة، من هنا عادة ما يحصل تشويش وعدم وضوح في التعاطي مع كلمة علوي، لاسيما عندما يتعلق الأمر بتركيا (لا بد من التفريق بين علويي سورية (وهم طائفة شيعية تسمى النصيرية أحيانا، تتفق مع معظم ما يذهب إليه الشيعة حول الأئمة والعقيدة مع الاختلاف في بعض التفاصيل) وبين «علويي الأناضول» وهم جماعة مختلف حولها ما إذا كان دينها مختلفا عن الإسلام، أم طريقة صوفية شيعية أم شيء آخر، أنهم طرق وجماعات تختلف كل واحدة عن الأخرى لكنها تتفق حول أهمية أهل البيت ومحورية الأمام علي في طقوسهم الدينية لدرجة المغالاة أحيانا). المهم إن الامتداد الطبيعي لعلويي سورية مناطق لواء الاسكندرونة، وليست مناطق علويي الأناضول أو ما يسمون بأصحاب القبعات الحمر. هناك الكثير من التداعيات في حال قيام هذه الدويلة، وترتبط هذه التداعيات باختلال التوازنات الإقليمية في المنطقة لصالح قوى غير عربية، فبعد خروج العراق من معادلة التوازن الإقليمي، وتصاعد الدور الذي تقوم به تركيا وإيران، فإن هذا الدور مرشح للتصاعد في حال تقسيم سورية وظهور الدولة العلوية، لأن هذه الدولة ستكون بدرجة كبيرة حليفة لإيران على اعتبار أنها أهم حلفاء الأسد في الأزمة الراهنة، وهو ما من شأنه إثارة البعد المذهبي بين السنة والشيعة بمعدلات أكبر وأخطر. إن وجود مثل هذه الدويلة على حدود تركيا حيث توجد أقلية علوية على تماس مباشر معها، لاسيما في إقليم هاتاي أو لواء الإسكندرونة، يجعل رفض تركيا لقيام مثل هذه الدولة أمرا مفروغا منه لما لذلك من تداعيات على وحدة أراضيها إن كان بسبب نشوء مثل هذه الدولة أو بسبب نشوء دولة مماثلة كردية على حدودها.
وتواجه تركيا مشكلة العلويين منذ تأسيس الجمهورية الحديثة، إذ لا تعترف بهم بوصفهم أقلية دينية ذات حقوق خاصة، وتعتبر أنهم مسلمون مثل بقية الشعب التركي، وأن خصوصيتهم هي خصوصية ثقافية أو تراثية لا تستدعي الاعتراف بهم دستوريا، لذلك، فإن الحكومات التركية لا تتعامل مع دور العبادة لديهم على أنها تحتاج إلى دعم مالي وسياسي، وإنما بوصفها مراكز ثقافية تتبع القطاع الخاص. وازدادت أخيرا حدة مطالبة العلويين بحقوقهم، بعد فرض درس التربية الإسلامية والقرآن الكريم في المدارس الحكومية على يد حكومة «العدالة والتنمية»، وهو ما اعتبره العلويون محاولة لتذويب أبنائهم في المجتمع السني وطالبوا بتقديم دروس اختيارية في العلوية لأبنائهم في المدارس الحكومية، لكن الحكومة اكتفت بأن يشمل المنهاج الدراسي لمادة التربية الإسلامية إشارة مختصرة إلى الطائفة العلوية. وتتزايد الضغوط السياسية والاجتماعية على حكومة حزب «العدالة والتنمية» في تركيا، لإيجاد حل للقضية العلوية بعد فشل محاولات للوساطة بين الحكومة والجمعيات العلوية خلال السنوات الـ 4 الماضية. وكانت تكررت وعود رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بحل القضية العلوية في تركيا. لكن توجهات الحكومة الحالية في السياسة الخارجية وتزايد الاتهامات لها بدعم التيارات السنية في المنطقة، زادت شكوك العلويين ومخاوفهم على إمكانات حل قضيتهم.