بيروت ـ د.ناصر زيدان
تبقى مشكلة عدم توافر التيار الكهربائي في لبنان من أكبر التحديات التي تواجه البلد، وتؤثر على مكانته واقتصاده، وتشوه سمعة سياسييه.. والتقنين القاسي للتيار الذي يصل إلى أكثر من 20 ساعة في اليوم في بعض المناطق، مضافا إليه الانقطاع المتقطع جراء الأعطال الفنية. هذه الاعطال التي تجاوزت في بعض المدن والقرى كل الحدود، بحيث يفصل التيار عن المشتركين كل ربع ساعة، أو يأتي في حي ويغيب في الحي الآخر في البلدة الواحدة، تولد مللا كبيرا في الأوساط الشعبية، ونقمة واسعة تجاه الطبقة السياسية، وخصوصا على القيمين على الملف الذين يتناوبون على المسؤولية منذ زمن بعيد.
وإذا كان في لبنان مجموعة كبيرة من المعضلات التي تواجهه ـ لاسيما جراء تداعيات الازمة السورية، وما تنتجه من ارتدادات اقتصادية ونزوح واسع، وقانون الانتخاب الذي تتفاوت الآراء حوله ـ إلا أن موضوع الكهرباء يبقى الشغل الشاغل للمواطنين، وهو يُصيبهم في صميم حياتهم اليومية، ويرهق مصاريفهم المالية في الوقت ذاته.
لم حالة الامتعاض الشعبية الواسعة تجاه هذا الموضوع؟
أولا: لأن انعكاساته على المواطنين وكل مفاصل حياتهم اليومية واسعة، فمن تعطل وسائل الانارة والاتصالات والانترنت الى تأثر وسائل الإنتاج والتدفئة جميعها، ومضاعفة اكلافها، في وقت يتم صرف اموال باهظة من الدولة على دعم الكهرباء، تجاوزت الـ 20 مليار دولار أميركي حتى نهاية العام 2012، ومقدر للدعم الحكومي أن يتجاوز ملياري دولار هذا العام، غير مبلغ خطة النهوض التي اقرتها الحكومة في 6/9/2011، والبالغة 1.2 مليار دولار، اضافة الى الفواتير التي يدفعها المواطنون، والمقدرة بـ 950 مليار ليرة لبنانية (يتوقع أن تزيد بمعدل 250 مليارا هذه السنة، بعد تسلم الشركات الخاصة للجباية ولمراقبة الهدر الذي يقدر بـ 35% من الإنتاج، غير الهدر الفني.
ثانيا: هول الكارثة الكهربائية اصبح معضلة، لا يثق المواطن نهائيا فيما يحكى عن خطط المعالجة والإصلاح، التي تتكرر هي ذاتها منذ أكثر من خمس سنوات، ولم يُنفذ منها أي شيء، فلا التعديات على الشبكة أزيلت، ولا تحسين الجباية تفعل بشكل ملموس (وقد برز بشكل جلي وجود مافيات داخل العاملين وبعض الاداريين عندما نفذ بعض هؤلاء اضرابهم الوقح داخل المؤسسة العام الماضي)، ناهيك عن القنوط من الوعود التي اطلقها الوزير باسيل ولم يتحقق منها شيء، رغم إقرار الخطة من قبل مجلس الوزراء منذ سنة واربعة أشهر، فلا البواخر المستأجرة التي ستوفر 200 ميغاوات وصلت، رغم أن الوزير حدد موعد وصولها إلى الشواطئ في حدود شهر اكتوبر 2012، والعمل بالمنشآت التي ستوفر 700 ميغاوات لم يبدأ بعد.
طبعا المسؤولية عن الخلل الكهربائي يتحملها السياسيون عموما، والمسؤولون عن الملف بشكل خاص، إلا أن المواطنين غير راضين بالمطلق عن تعاطي معظم المسؤولين الإداريين في المؤسسة الذين يتحملون أيضا جزءا كبيرا من المسؤولية، ولا يتعاطون مع تحديات القطاع بمهنية عالية، وبجدية واسعة وفقا لما أعلن عنه احد اعضاء مجلس ادارة مؤسسة كهرباء لبنان.
ان زيارة مارك بوالو المدير الاستراتيجي لكهرباء فرنسا إلى لبنان الأسبوع الماضي للمشاركة في تقديم اقتراحات المعالجة بدعوة من إحدى الشركات التي التزمت الصيانة، لا تكفي لإظهار الاهتمام بعد خراب «البصرة»، وإذا كانت بعض الممارسات تخفي نية لتخصيص القطاع بالكامل. بعد أن تم تخصيص الصيانة والجباية، فهذا خطأ لا يمكن أن يتحمله لبنان ولا تقبل به الفئات الشعبية المختلفة.
ان بعض التجارب المتواضعة لبلديات في الشوف وبحمدون، مدعومة من قيادات سياسية، اثبتت نجاحها في تأمين التيار الكهربائي بالمولدات، فالأمر ليس مستعصيا على الدولة فيما لو توافرت النيات الصادقة والكفاءة وحسن الأداء.