Note: English translation is not 100% accurate
«القانون الأرثوذكسي» يؤجج التوتر السياسي ويخلط الأوراق
لبنان.. ملامح أزمة حكم ونظام
21 فبراير 2013
المصدر : خاص

الانتخابات في مهب الريح والتأجيل.. وتصدع في 14 آذار.. واهتزاز في الفريق الحكومي
كانت العلاقة بين حزب الله وتيار المستقبل بلغت في الآونة الأخيرة مرحلة تصعيدية غير مسبوقة من التوتر السياسي مع حصول «تواجه واشتباك مباشر» بين السيد حسن نصرالله والرئيس سعد الحريري، وجاء إقرار «القانون الأرثوذكسي» وتحريك هذه الورقة السياسية الضاغطة ليدفع بالعلاقة والأزمة الى مستويات متقدمة وليدخل الوضع اللبناني مرحلة جديدة.
إقرار مشروع قانون اللقاء الأرثوذكسي في اللجان النيابية المشتركة يعد خطوة متقدمة جدا على طريق إقراره في الهيئة العامة للمجلس النيابي وبغالبية بسيطة، لكن المسافة الفاصلة عن جلسة الهيئة العامة طويلة سياسيا وستكون حافلة باتصالات على أعلى المستويات لتفادي الوصول الى «نقطة اللارجوع» وللعودة الى مربع التفاهم والتوافق على حل وسط. وسواء وصل المشروع الأرثوذكسي الى الهيئة العامة أم لم يصل، وأيا يكن مصيره لاحقا إقرارا وطعنا، فإن ما حدث في جلسة اللجان المشتركة شكل حدثا سياسيا وأسفر عن النتائج الأولية التالية:
1 ـ دخول الانتخابات النيابية في دائرة الخطر والتأجيل أيا يكن مصير «الأرثوذكسي» وسواء أقر أو لم يقر، والتأجيل إما أن يكون تقنيا لفترة أشهر محدودة تحتاجه آليات تطبيق أي قانون جديد، وإما أن يكون «سياسيا» إذا تعذر إجراء الانتخابات في ظل الأجواء والتوترات الراهنة، وفي هذه الحالة تطرح مشكلة التوافق على التمديد للمجلس الحالي بأي شروط سياسية وضمن أي مهلة زمنية.
ما حدث بالأمس أن المشروع الأرثوذكسي ألغى سياسيا قانون الستين وهو في طريقه، وفي حال تحول الى قانون جديد للانتخابات، لأن يلغيه «قانونيا وعمليا». ولكن مسار القانون الأرثوذكسي معقد ومليء بالمطبات ومصيره النهائي لن يتحدد قبل أسابيع، وهذا في حد ذاته كاف للاستنتاج أن إجراء الانتخابات في موعدها لم يعد ممكنا من الناحية العملية، فيما تبدو عالقة من الناحية السياسية بين صعوبتين تكادان أن تكونا مستحيلتين: إجراء الانتخابات على أساس القانون الأرثوذكسي، وإجراء الانتخابات على أساس قانون الـ 60.
إن دخول الانتخابات في «نفق التأجيل» يدخل البلاد في نفق أزمة سياسية لديها كل الاستعداد والقابلية لأن تتحول الى أزمة وطنية، وأن تتطور سريعا من أزمة انتخابات وقانون الى أزمة حكم ونظام.
2 ـ انكشاف أزمة 14 آذار وخروجها الى العلن بعدما كانت تتفاعل بصمت وقوة في الأسابيع الأخيرة التي بدا خلالها أن «الاتفاق على قانون الانتخابات» أمر صعب ومتعذر، وأن التحالف السياسي القائم على مبادئ وعناوين كبيرة وأساسية لم يشفع ولم ينفع في إيجاد مساحة مشتركة.
الخلاف على قانون الانتخاب ليس خلافا على أمر بسيط، والتصدع الذي أصاب 14 آذار يحصل في ظرف استثنائي وفي زمن الاستحقاقات المفصلية. هذه انتكاسة سياسية ثانية تصيب تحالف 14 آذار بعد انتكاسة الخروج من الحكم وخروج جنبلاط منها، وسيكون الخروج من أسوأ أزمة داخلية مهمة صعبة لمكونات 14 آذار وحيث أزمة الثقة تعمقت وحيث الفصل بين التحالف السياسي الثابت والخلاف الانتخابي المستجد بات أمرا صعبا، ويمكن أن يتحول قانون الانتخاب الى نقطة تحول في مسيرة 14 آذار التي تشكل فيها «القوات الكتائب» العصب المسيحي والتي باتت عمليا وخصوصا بعد خروج جنبلاط مختزلة في «تحالف الحريري جعجع».
ستحصل من الآن فصاعدا عملية مراجعة حسابات عند تيار المستقبل والقوات اللبنانية تتمحور حول نقطتين: لماذا وصلت الأمور الى ما وصلت اليه، ومن يتحمل مسؤولية ما حدث؟ وكيف يمكن إنقاذ التحالف وإخراج العلاقة من المأزق؟ النقاشات الأولية تشير الى تبادل اتهامات سياسية: القوات تأخذ على المستقبل أنه لم يحسن الإدارة السياسية لمعركة قانون الانتخاب ولم يتلقف المخرج وطوق النجاة عبر مهلة الـ 15 يوما ومشاريع القوانين المختلطة. والمستقبل يأخذ على القوات أنها لم تتلقف المبادرات والمواقف التي أطلقها الحريري لتجاوز مشكلة قانون الانتخاب وأعادت ترتيب الأولوية بتقديمها قانون الانتخاب وبعد إقراره لكل حادث حديث. وكانت النتيجة أن القوات والكتائب سجلتا هدفا في مرمى 14 آذار ويحتسب لخصومها.
3 ـ إذا كان التصدع أصاب فريق 14 آذار، فإن الاهتزاز أصاب أيضا الفريق الحكومي. وإذا كان لدى الحريري خيبة وصدمة من حلفائه المسيحيين، فإن لدى جنبلاط خيبة وصدمة وهذا نادرا ما يحصل من الرئيس نبيه بري الذي مضى قدما في عملية التصديق على المشروع الأرثوذكسي بخلاف تعهدات قطعها للرئيس السنيورة وتطمينات سمعها وزراء جنبلاط من حزب الله عشية التصويت.
يضاف الى خيبة جنبلاط «الحزين»، الموقف الحرج الذي يواجهه الرئيس ميقاتي بعدما أخذت الأمور منحى «استهداف جديد» للطائفة السنية وبعدما أضيفت الى الضغوط الهائلة التي يتعرض لها ميقاتي هذه الأيام من أبواب خارجية أوروبية وخليجية، ومن أبواب داخلية اقتصادية اجتماعية وأمنية، مسألة جديدة ضاغطة عندما تم إقرار قانون لا يمت بصلة الى القانون الذي أرسلته الحكومة والذي لا يجد من يدافع عنه ويتبناه.
وتكتمل حلقة الاعتراض من المحور الوسطي في الحكم، لا بل تتوج مع موقف الرئيس ميشال سليمان الذي كان السباق الى إشهار سلاح الفيتو ضد القانون الأرثوذكسي وأعلن باكرا أنه بصدد الطعن به أمام المجلس الدستوري. وفي الواقع فإن موقف الرئيس سليمان شكل عامل اطمئنان لتيار المستقبل منذ البداية وتعويضا عن «موقف الحلفاء»، لكن موقف بري مازال غامضا وغير مطمئن والرهان عليه لم يعد قائما لجهة قدرته على التحرر من موقف حزب الله وعلى منع وصول المشروع الأرثوذكسي الى التصويت في الهيئة العامة.
4 ـ الكرة الآن عند الرئيس نبيه بري الممسك بزمام المبادرة وخيوط اللعبة بعدما نجح باستدراج الجميع الى ملعبه، وبعدما أفاد من موقف القوات والكتائب الى الحد الأقصى وجعل من القانون الأرثوذكسي سيفا مصلتا فوق رأس المستقبل، فإنه حشر «المستقبل» في زاوية الخيار الصعب بين السيئ والأسوأ: فإما أن يمشي المستقبل بالقانون المختلط وفق الصيغة التي أعدها بري وتمثل السقف الأعلى الذي يمكن أن يقبل به حزب الله، وإما أن يكمل بري المسار التشريعي لـ «الأرثوذكسي» ليصبح قانونا وأمرا واقعا، وهكذا فإن بري نجح عبر ورقة الأرثوذكسي في استدراج الجميع الى النسبية ولو جزئيا وما كان مستحيلا أن يقبله المستقبل من قبل صار من الممكن والوارد أن يقبله اليوم، لا بل صار «مخرج بري» هو الوحيد الذي يتيح لـ «المستقبل» حاليا فرصة الخروج من المأزق.
5 ـ إقرار القانون الأرثوذكسي، جزئيا ومبدئيا، دفع بالأزمة السياسية الى الأمام وعزز المخاوف على مصير الانتخابات والاستقرار السياسي، وحتى الاستقرار الأمني لاحقا، لأن الوضع لا يعود مضمونا في ظل الاحتقان السياسي والطائفي المتصاعد، والوضع بشكل عام يمكن إيجازه في النقاط التالية:
٭ لا انتخابات من دون قانون جديد متوافق عليه (وهذا يعني أن لا انتخابات على أساس الأرثوذكسي إذا أقر، أو على أساس الستين إذا لم يقر).
٭ لا توافق على قانون جديد للانتخابات بمعزل عن تسوية سياسية مرحلية لتمرير الانتخابات النيابية يكون القانون بندا فيها وجزءا منها وتكون شبيهة بتسوية الدوحة التي أتاحت تمرير الانتخابات الرئاسية عام 2008.
٭ لا تسوية سياسية مرحلية إذا لم تشمل ترتيبات ومرحلة ما بعد الانتخابات (الحكومة تركيبة وبرنامجا، الرئاسات...)، وإذا لم تكن مشمولة بتشجيع دولي ورعاية إقليمية المقصود بها رعاية إيرانية سعودية بعدما ورثت إيران سورية في لبنان وأخذت دورها.
٭ لا تسوية سياسية من دون «حوار وطني» في بعبدا عادت أسهم استئنافه للارتفاع. أما الممر الإجباري للتسوية فهو «حوار جانبي» بين حزب الله والمستقبل ليست ظروفه متوافرة حاليا بعدما زاد التراشق والعنف السياسي والكلامي الأخير في تعميق أزمة الثقة بين الطرفين، وبعدما كشفت عن خلاف أولويات وعروض: حزب الله يعطي أولوية لـ «المقاومة والسلاح» ويعرض بشكل غير مباشر العودة الى معادلة «السلاح مقابل السلطة» (أي تغطية حكومية شرعية للسلاح مقابل عودة الحريري الى رئاسة الحكومة). والحريري يطرح معادلة جديدة واضعا السلاح خارج البحث ويعرض: العودة الى السلطة لمحاربة التطرف ومحاصرة المد التكفيري الذي يشكل خطرا وهدفا مشتركا. وعلى هذا الأساس لحزب الله والفريق الشيعي مصلحة في عودة الحريري وتسهيلها وعدم إعاقتها بشروط وأثمان باهظة.