Note: English translation is not 100% accurate
من السجن إلى القصر: تجربة الإخوان المسلمين في الحكم (2 - 2)
4 ابريل 2013
المصدر : الأنباء

د.محمد محيي الدين حسنين
المتابع لتاريخ جماعة الإخوان المسلمين يجد انها بدأت بداية طيبة، فقد كانت تهدف الى نشر الدعوة مع الاهتمام بالتربية البدنية والثقافية والتربوية بهدف تكوين جيل من الشباب المسلم المتفهم لاحتياجات عصره والقادر على قيادة مجتمعه، لكن سرعان ما اصاب الجماعة ما يمكن ان نسميه «مرض الاستعجال» فلم يستطع بعض قياداتها صبرا على عملية التكوين تلك فقاموا بإنشاء التنظيم السري في الاربعينيات من القرن الماضي بهدف تصفية الرموز السياسية التي اتهموها بالفساد، وبالفعل قاموا بعدد من الاغتيالات السياسية التي ادت الى اصطدام «الاخوان» بالسلطة التي من ناحيتها قامت بالزج بقيادات الجماعة في السجون حتى اضطر مؤسسها الشهيد حسن البنا الى ان يتبرأ منهم ويصفهم بأنهم «ليسوا اخوانا وليسوا مسلمين»، ولم تكتف الحكومة بهذه الادانة فأوعزت بقتل البنا اثناء خروجه من دار الحكمة عام1949.
وللاسف تكررت مواجهات جماعة الاخوان مع جمال عبدالناصر عقب محاولتهم اغتياله عام 1954 ومحاولتهم الانقلاب عليه عام 1964، ومن ثم دخل بعض قياداتهم السجن واعدم اخرون، وفي داخل السجون ونتيجة للقسوة والتعذيب اللذين تعرضوا لهما نشأت جماعات جهادية من عباءة الجماعة اكثر تطرفا واقل صبرا على التغيير. واستمرت القصة تتكرر في عهدي السادات ومبارك الى ان غيرت الجماعة في نهايات عهد مبارك طرق تعاملها مع السلطة من دون صدام وبدأت في استخدام القنوات الشرعية للمعارضة واساليب عقد الصفقات والمواءمات واستطاعت بتلك الخبرة ان تدفع بعدد كبير من قياداتها في عضوية مجلس الشعب، بل استطاعت بعد ثورة 25 يناير ان تحوز ثقة المجلس العسكري وان تستخدمه لصالحها حتى وصلت الى قصر الرئاسة.
في انتخابات عام 2005 وبالرغم من هذا التاريخ الطويل الذي يمتد الى اكثر من ثمانية عقود الا انه وبدخول الرئيس محمد مرسي الى قصر الرئاسة بدأت اعراض «مرض الاستعجال» في الظهور مرة اخرى، فبدأت عمليات الاقصاء لقيادات الاجهزة التنفيذية واحلال اعضاء «الاخوان» محلهم.
وتؤكد بعض التسريبات ان عدد هؤلاء وصل الى الآلاف ممن تم تصعيدهم الى مواقع تنفيذية وسياسية حتى استخدمت في تحقيق ذلك اساليب عدة كان منها: العدل السياسي والتخوين والتشهير للتخلص من القيادات السابقة مما اثار حنق الكثيرين وترتب على ذلك تآكل شعبية الجماعة بعد اقل من سبعة شهور على تولي الرئيس مرسي للسلطة.
ومما زاد الامر سوءا ان الجماعة لم تستطع تطوير جهازها وادواتها الاعلامية المادية والبشرية بالشكل الذي يواكب العصر وبالسرعة التي يتحرك بها وانحصر خطابها الاعلامي في الخطاب الديني الذي يعكس الطبيعة الدعوية لها من خلال مهاجمتها الاعلام وتحميله مسؤولية تردي الاوضاع في البلاد، ومع دخول الجماعات الاسلامية الاخرى الى مجال الاعلام السياسي والاعلامي والتي تستخدم خطابا سياسيا ذا صبغة دينية وتطلق فتاوى شاذة، فقدت الجماعة التواصل مع طبقات المجتمع المختلفة وخاصة المثقفين والشباب، فانصرف عنها كثيرون وذهب بعض الشباب الى السخرية منهم على شبكات التواصل الاجتماعي وانصرف بعضهم للاسف عن التدين، لان الخطاب الاعلامي لتلك القنوات الفضائية ربط بين هؤلاء الدعاة والاسلام وكانت النتيجة ان استطاعت القنوات الاعلامية المعارضة ان تكسب ارضا اضافية واصبحت مصدرا رئيسيا لمتابعة الاخبار والتعليقات التي تدحض حجج الجماعة وتهاجم قرارات الحكم بضراوة ولم تنفع اساليب التهديد والوعيد واللجوء الى القضاء في مواجهة تلك القنوات بل ازدادت شراسة ولم يكتف التيار الاسلامي بذلك، بل سعى للنيل من القوة الناعمة في مصر من اثار وفنون وآداب والتي كانت من اهم وسائل انتشار الافكار والثقافة المصرية، ومن ثم بدأ الطريق يزداد صعوبة في سبيل تحقيق «الاخوان» لأهدافها في قيادة مصر الى بر الامان.
وقد تزامن الفشل الاعلامي للاخوان المسلمين مع نقص خبرتهم في ادارة الدولة نظرا لعملهم سرا او قضائهم فترات طويلة في السجون، مما افقدهم المرونة وسعة الافق وانحصر سعيهم لتحقيق هدف واحد وهو الاستيلاء على السلطة دون التفكير فيما يمكن ان يأتي بعد ذلك ومن ثم
لم تستطع قيادة الجماعة ان يكونوا رجال دولة عندما وصلوا الى الحكم وما زالوا يتصرفون كممثلين لجماعة معارضة، وليس ادل على ذلك من خطابهم السياسي الهجومي ودفع مناصريهم للنزول الى الميادين التي تحولت الى ساحات للصراع، ولعلنا نتذكر هنا تجربة حركة حماس في غزة وهي فرع من فروع جماعة الاخوان المسلمين، عندما نجحت في الانتخابات الفلسطينية ولم تستطع ان تفصل بين انها كانت في السابق حركة مقاومة مسلحة للاحتلال الاسرائيلي وتكوينها لحكومة مسؤولة عن ادارة دولة وما تلا ذلك من انفصال واجتياحات اسرائيلية وحصار مازالت تعاني غزة من تبعاته حتى الآن.
وأخيرا، فإن انتصار الاسلام السياسي في دول الربيع العربي ونجاح ممثليه في الانتخابات التشريعية في بعضها ووصولهم الى السلطة التنفيذية، جعلا تحقيق الهدف النهائي المتمثل في احياء الخلافة الاسلامية قريب المنال من وجهة نظر جماعة الاخوان المسلمين، وانتشت قيادات الجماعة بهذه الانتصارات وبدأت تتصرف بالكثير من الاستعلاء والغرور، فضلا عن اعتبارهم مصر ولاية في اطار الدولة الاسلامية الكبرى لا يجب ان تعطى الاهتمام او القدر الكافي من وقتهم لانهم مشغولون بقضية اكبر، ومن ثم غابت قيم المواطنة في برامجهم لتحل محلها قيم الاخوة الاسلامية، ونسوا او تناسوا ان تحقيق عالمية الدعوة يبدأ من انشاء قاعدة قوية في مصر حتى لو اعتبرنا ان الظروف المحلية والعالمية ستسمح لهم بالسير في هذا الطريق.
مرة اخرى، نتساءل ومعنا كثيرون، أما آن لجماعة لاخوان المسلمين ان تكون لها وقفة مع النفس للمراجعة والتقييم قبل ان يفوت الاوان وتضيع فرصتها الاولى والتي يمكن ان تكون الاخيرة في حالة فشلها؟.. اللهم اني قد بلغت اللهم فاشهد.