Note: English translation is not 100% accurate
ستستمر لفترة طويلة من الوقت وتمتد من دولة إلى أخرى
أزمة منطقة اليورو.. خطط الإنقاذ المالي تحمل مفارقات قاسية
20 ابريل 2013
المصدر : القاهرة ـ أ.ش.أ

يبدو أن أزمة منطقة اليورو ستستمر لفترة طويلة من الوقت وستتمدد من دولة لأخرى إذ لا يكاد الشركاء الأوروبيون في هذه المنطقة يضعون خطة للإنقاذ المالي في دولة ما حتى تظهر أزمة جديدة في دولة أخرى بل ان خطط الإنقاذ نفسها لم تسهم في تحسين أوضاع الدول التي شملتها مثل اليونان والبرتغال وإيرلندا وأخيرا قبرص.
وفيما كان يعتقد الأوروبيون أن أزمة قبرص قد حسمت بفعل خطة الإنقاذ المالي، إذ بهم يفاجأون بأزمة جديدة تندلع في البرتغال وبتفاقم سوء الأوضاع المالية والاقتصادية في اليونان، وبتحسن طفيف جدا في ايرلندا، وهو ما أجبر وزراء مالية دول الاتحاد الأوروبي على الموافقة يوم السبت الماضي على منح البرتغال وايرلندا مهلة إضافية مدتها سبع سنوات لسداد ديونهما المترتبة على حزمتي إنقاذهما، ما يعني افتراض الاتحاد الأوروبي أن الانتعاش المالي والاقتصادي قد يحدث خلال هذه السنوات، علما أن ديون البرتغال المستحقة لمنطقة اليورو تبلغ 68 مليار دولار، وتبلغ ديون ايرلندا نحو 52 مليار دولار.
لكن هذا الافتراض كما يرى المحلل الاقتصادي، مارتن والكر، في مقال حمل عنوان «سكرة الموت تلاحق اليورو»، ونشر على موقع «يونايتد برس إنترناشيونال» قد لا يبدو صحيحا إلى حد بعيد، وذلك بالنظر إلى التداعيات الاقتصادية والسياسية السلبية داخل هذه الدول جراء خطط الإنقاذ المالي، وكذلك لعدم معالجة الجذور الحقيقية لأزمة منطقة اليورو، حيث يعتقد والكر أن منطقة اليورو تدخل فيما يشبه دائرة «الموت البطيء» نتيجة الاستقطاعات المالية الحادة التي تترك تداعيات داخلية خطيرة.
في هذا الإطار يمكن استدعاء تصريحات السياسي المخضرم، ماريو سواريس، الذي تولى رئاسة البرتغال سابقا ونقلها من الفاشية إلى الديموقراطية في سبعينيات القرن الماضي ويشغل الآن رئيس الحزب الاشتراكي الديموقراطي، الأسبوع الماضي، والتي ذكر فيها أنه «يجب على البرتغاليين إسقاط الحكومة الحالية ومحاربة سياسات التقشف التي تفرضها الترويكا الثلاثية المالية»، قائلا: «أصبحت الحكومة ألعوبة بيد دول منطقة اليورو، الحكومة باعت البلد ودمرت الاقتصاد في عامين من أجل عطاءات إنجيلا ميركل، البرتغاليون لن يكونوا قادرين على سداد الديون لأن الإنقاذ المالي هو إفقار للذات، وما دمت لا تستطع الدفع، فالحل الوحيد هو ألا تدفع».
وتتمثل الأزمة الجديدة في البرتغال في أن خطة الإنقاذ التي تقدر بنحو 102 مليار دولار تنفذها الترويكا الثلاثية (صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي، والاتحاد الأوروبي) تصيب البلاد بحالة من عدم الاستقرار الاقتصادي بسبب شروط خفض الإنفاق العام من خلال إجراءات التقشف وزيادة الضرائب، وهو ما أصاب موظفي القطاع العام بخفض أجورهم بنسبة من 20% إلى 25%، وهو التقليص الذي أقرت المحكمة العليا بالبلاد بعدم دستوريته، ما يجعل من الصعب تقليص عجز الميزانية إلى 5.5%، وهو الشرط اللازم لحصول البرتغال على الدفعة الثامنة من حزمة الإنقاذ التي أقرت في عام 2011.
وتؤكد تقارير سربت من الترويكا الثلاثية أن إنقاذ البرتغال لا يسير في طريق واضح بل إن البلد يغرق في وحل الديون، كما يقول والكر، حيث تحتاج البرتغال لنحو 19.7 مليار دولار إضافية، ما يعادل أكثر من ثلث العجز المالي الذي أدى إلى الأزمة المالية البرتغالية قبل نحو ثلاثة أعوام.
قبرص.. مفارقة قاسية
أما في قبرص فقد فاقمت خطة الإنقاذ المالي المحنة القبرصية، حيث ذكر المتحدث باسم الحكومة، كريستوس ستيليانديس، أن الدولة تحتاج الى 30 مليار دولار في إطار برنامج الإنقاذ المالي الدولي، وذلك بدلا من 21.6 مليار دولار التي تم إقرارها في مذكرة تفاهم منذ نوفمبر الماضي، فضلا عن 8.5 مليارات يجب على الحكومة تدبيرها من خلال فرض ضرائب جديدة وخفض الميزانية وتشديد الرقابة المثيرة للجدل على الودائع المصرفية.
بينما أصر وزير المالية الألماني، فولفجانج شوبيل، خلال قمة مع الشركاء الأوروبيين على أن تقتصر قيمة صندوق إنقاذ قبرص على العرض الأول الذي ورد بوثيقة التفاهم.
قبرص إذن ربما تسير على خطى البرتغال، إذ لم تسهم خطة الإنقاذ المالي، وما تحمله من شروط، سوى استمرار إضعاف وتراجع الاقتصاد، تحتاج قبرص الآن 30 مليار دولار فيما تقول الحكومة أيضا إن قبرص تواجه هذا العام انخفاضا حادا في معدل الناتج المحلي الإجمالي سيصل إلى 12.5%. ويعني ذلك أن قبرص التي بلغ ناتجها الإجمالي في عام 2011 نحو 6 مليارات دولار أصبحت مطالبة بتحمل عبء مالي ضخم يعادل ثلاثة أمثال ناتجها القومي في ثلاث سنوات قبل بداية أزمتها الراهنة.
وربما تفسر هذه المفارقة القاسية كيف تنتقل أزمة منطقة اليورو من دولة إلى أخرى، فقد تضررت قبرص كثيرا جراء الأزمة اليونانية، إذ كانت تستثمر بكثافة في السندات السيادية اليونانية، وحينما قرر وزراء مالية منطقة اليورو إسقاط نسبة 50% من هذه السندات لإنقاذ اليونان ماليا، خسرت قبرص مليارات الدولارات، لتدخل بدورها في أزمة مشابهة.
اليونان وأزمة الديون
وتوضح حالة اليونان جليا كيف أن الأزمة المالية وما يوضع لها من خطط للإنقاذ الأوروبي والدولي تأتي بأزمات لاحقة فهذه الدولة التي انفجرت من خلالها أزمة منطقة اليورو تتلقى برنامجا إنقاذيا تقدر قيمته بنحو 240 مليار يورو بحلول العام المقبل، لكن ذلك لم يؤد إلى علاج فعال لركود اقتصادي تعيشه اليونان للعام السادس على التوالي.
ويعود استمرار تراجع الاقتصاد اليوناني إلى انتقاله من أزمة مالية إلى أزمة ديون باتت تهدد بإفلاس البلاد، خاصة مع تراجع معدل الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تزيد على 20% في العام الماضي، وتوقع تراجعه بنسبة 5% إضافية خلال العام الحالي، وارتفاع معدل البطالة لأقصى معدلاته في ديسمبر الماضي ليبلغ 27.2%، وذلك بالنظر إلى إجراءات التقشف الحادة التي تنفذها الحكومة كشرط لتدفق القروض الأوروبية والدولية.
ويمكن القول ان وضع كل من البرتغال وقبرص يشبه اليونان إلى حد بعيد، إذ تؤدي خطط الإنقاذ المالية، والتي هي حتمية في كل الأحوال، إلى تشوهات اقتصادية جديدة بسبب إجراءات التقشف وخفض الإنفاق العام ووقف التشغيل وتقليص أجور موظفي القطاع العام وتراجع القدرة التنافسية في ظل تعطل الإنتاج وإعادة هيكلة القطاع البنكي والمصرفي وفقدان الناس للثقة والائتمان في غالبية القطاعات الاقتصادية والتعاملات المصرفية.
التداعيات السياسية
ويبقى الأثر الأكبر في الرقابة المصرفية الحازمة وانتهاج سياسات التقشف وتقليص الإنفاق الحكومي في دول تعرف نمطا ما لدولة «الرفاه الاجتماعي» والحرية الاقتصادية، أنها تنعكس على الواقع السياسي الداخلي، فتظهر في شكل صراعات بين القيادة الحاكمة وأصحاب الشركات الكبرى والأثرياء ونقابات القطاع العام، وهو ما قد يقود إلى عدم الاستقرار السياسي الذي قد يحدث ان في قبرص أو البرتغال أو في إيطاليا وإسبانيا، وحتى في فرنسا، فالنزيف الاقتصادي وتخفيضات الإنفاق، مع تراجع الأداء الاقتصادي، قد يقود بوصلة التمرد الاجتماعي أو السياسي، كما يقول رئيس مركز أبحاث السياسات التقدمية، يانوس بابانتونيو، الذي تولى منصب وزير الاقتصاد والمالية اليونانية في الفترة من عام 1994 إلى عام 2001.
ويضرب بابانتونيو مثالا على ذلك بما تشهده اليونان من اضطرابات اجتماعية كبرى ستغير النمط الاجتماعي الذي كان سائدا قبل الأزمة، وكيف أن الأزمة نفسها انعكست على طريقة تشكيل الحكومة اليونانية لتلبي شروط منطقة اليورو، وكذلك بطريقة تغيير رئيس الوزراء الإيطالي السابق، سلفيو برلسكوني، وبما أظهرته الانتخابات الإيطالية الأخيرة من الغضب الشعبي المعارض لأجندة الإصلاح القائمة على سياسة التقشف التي تبنتها حكومة ماريو مونتي السابقة، بحيث لم تعرف إيطاليا بعد هذه الانتخابات حلا لأزمة تشكيل حكومة بديلة.