بيروت ـ د.ناصر زيدان
رغم بعض التجاذبات بين الأطراف السياسية اللبنانية المتقابلة، تبقى عوامل التفاؤل المحيطة بعملية تأليف الحكومة والوصول لقانون انتخابي جديد قائمة، وقد أضفى الحراك السعودي اجواء مريحة رافقت تصريحات سياسية لها دلالاتها، وعلى وجه الخصوص تأكيد الرئيس نبيه بري على حتمية الوصول الى اتفاق على قانون جديد في جلسة مجلس النواب التي ستعقد قبل 19 مايو المقبل، حتى لو اضطر النواب الى النوم في المجلس (على حد تعبيره)، وإعلان الرئيس سعد الحريري ـ بعد لقائه البطريرك بشارة الراعي في باريس ـ عن استعداده للتواصل مع حزب الله، جاء في ذات السياق التفاؤلي الذي أعقب الاجماع على تكليف الرئيس تمام سلام ترؤس الحكومة العتيدة.
أما زيارة الوزير جبران باسيل للسفارة السعودية فهي اشارة على تغيير جوهري في سياسة حليف حزب الله الأساسي بعد الهجوم اللاذع الذي أطلقه العماد ميشال عون ضد دول الخليج العربية، وجاءت اطلالة السفير العسيري على شاشة تلفزيون المنار لتؤكد على مشهدية التغيير الحاصل لجهة فكفكة معالم مرحلة غلب عليها طابع العناد المتبادل، في ضوء انسداد أفق التسوية الاقليمية.
تغيير لهجة الرئيس المكلف تمام سلام تجاه مطالب أطراف قوى 8 آذار ساهمت في تعديل مسار التشنج نحو طريق التسوية، واصرار النائب وليد جنبلاط على شمول التركيبة الحكومية الجديدة ممثلين للأطراف الأساسية كافة، يعكس ايضا تصور وطني واقليمي متفق عليه، ويشكل ضمانة لعدم تفلت القوى من قيود التسوية، لكون الأفق مسدودا أمامها، اذا ما جنحت نحو التطرف او فكرت مجددا في تكوين أغلبية بسيطة لم تعد ممكنة جراء تغير الظروف.
مناقشات لجنة التواصل النيابية والاصرار على استمرار اجتماعاتها والحديث المشترك عن القانون المختلط ـ رغم موقف النائب سامي الجميل الذي حمل بعض التشنج، بعيد الاجتماع الأول ـ تعكس تغييرا في موقف بعض الأطراف التي كانت متشددة في الماضي القريب، وفسر موقفها في حينه على انه توجه نحو تمديد لمجلس النواب لا يقل عن سنتين بانتظار جلاء الموقف المعقد في سورية.
هل الكلام عن تقارب حزب الله مع المملكة العربية السعودية ناتج عن إشارة ايرانية للحزب؟ ام ان الحزب يعمل على تقليص المسافة البعيدة بين المملكة وايران؟ الفرضيتان تؤديان الى طريق واحد وقد يكون بداية اعادة التدقيق بالحسابات الخاسرة جراء مساعدة ايران لبشار الأسد ووقوعها في مستنقع استنزاف قاتل لها ولحزب الله، في المقابل فالمملكة العربية السعودية حريصة على الا يتحول التباعد حول الأحداث في سورية الى اضطرابات واسعة، قد تشمل المنطقة.
النظام في سورية لا يستسيغ مثل هذه الأجواء التفاؤلية في لبنان ويخشى ان تأتي اتصالات التهدئة الأخيرة على حسابه، وتجهض مخططاته التفجيرية المتنقلة بين طرابلس وعرسال والقصر والقصير ووادي خالد، وهو يرمي الأوراق كلها الى ساحة الحريق، وقد أكد الأسد بالأمس على هذا الخيار، مما يجعله يبحث عن صناعة حدث ما، أمني أو عسكري، او اضطرابات داخلية واسعة، تبدد الأجواء التفاؤلية وتقطع الطريق على مساعي الحلحلة التي تستفيد من مساحة الاسترخاء واعادة التقييم والتأمل للقوى الدولية والاقليمية الفاعلة خصوصا حول ما يدور في سورية والتقارب المصري ـ الإيراني، وإعادة الحرارة الى خط التواصل بين روسيا وتركيا قد يكون في سياق المقاربة ذاتها.
ان توافر الأجواء الاقليمية الايجابية الحاضنة للحراك التقاربي في لبنان يشكل الممر الالزامي لولوج اي تسوية مرجوة، حول القانون الانتخابي الجديد، وحول ولادة التشكيلة الحكومية الجديدة.
رغم كل ذلك، يبقى احتمال وقوع حدث ما مفاجئ، فرضية قائمة وقد يبدد كل الأجواء التفاؤلية التي أحدثتها الاتصالات السياسية الأخيرة.