Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
تمام سلام من «التكليف السهل» إلى «التأليف الصعب».. الخيارات تضيق.. و«الاعتذار» واحدٌ منها
3 مايو 2013
المصدر : الأنباء

عندما تم تكليف النائب تمام سلام لتشكيل الحكومة الجديدة، حصل التكليف بـ «شبه إجماع وطني» غير مسبوق، أما الإجماع الذي تحقق في تكليف الرئيس فؤاد السنيورة عام 2008، فإنه كان مستندا الى «تسوية الدوحة» ومنبثقا عنها، وكان الإجماع ترجمة لها أكثر مما كان تصويتا لشخص السنيورة.
بعد التكليف «السهل والسريع»، ساد اعتقاد على نطاق واسع أن الأمر سينسحب على التأليف الذي سيكون أيضا «سهلا وسريعا»، وأن التوافق على سلام لابد أن ينتج توافقا على الحكومة الجديدة، وأن الإجماع حوله هو انعكاس لقرار دولي إقليمي بتهدئة اللعبة والوضع في لبنان وتمرير المرحلة الانتقالية بأقل أضرار واهتزازات الى حين جلاء الوضع في سورية، لأن الدول المعنية بالشرق الأوسط تريد التفرغ في هذه المرحلة للملف السوري ولا تريد فتح جبهة ثانية في لبنان. وبلغ هذا الانطباع التفاؤلي حد الحديث عن تقارب أو تقاطع سعودي- إيراني في لبنان يمكن أن يكون مدخلا الى اتفاق أوسع في المنطقة.
وبالفعل، فقد سادت «موجة تفاؤل عارمة» بعد تكليف سلام الى حد حصول «انفراجات نفسية» في الأسواق المالية والاقتصادية وبدء الحديث «بلهفة متسرعة» عن «صيف واعد»، لكن مع دخول عملية تشكيل الحكومة في الحلقة المفرغة وفي دوامة الشروط والشروط المضادة، بدأت أجواء التفاؤل بالانحسار تدريجا وبدأ الإجماع الوطني بالتفكك سياسيا، وتكشف الوضع عن توازن سياسي «سلبي ودقيق»، بحيث أن أي طرف غير قادر على فرض ما يريد ولكنه قادر على رفض ما لا يريد، أو بمعنى آخر، أي طرف ليس قادرا على «التشكيل» ولكنه قادر على «التعطيل»: فريق 8 آذار عطل مشروع الحكومة الحيادية وفريق 14 آذار يعطل مشروع الحكومة السياسية.
وسط هذه الأجواء والمعادلات يجد الرئيس المكلف تمام سلام نفسه أمام مهمة صعبة وفي «وضع لا يحسد عليه». الاعتقاد الذي ساد بداية الأمر بأن سلام سيكون قادرا على تشكيل حكومة «لا تغضب أحدا» وليس المهم إن كانت «لا ترضي أحدا»، حكومة لا تضم في عدادها وزراء «استفزاز وتحد»، حكومة انتقالية مرحلية لمهمة محددة هي إجراء الانتخابات. هذا الاعتقاد فيه شيء من التبسيط للأزمة القائمة، ومن عدم الواقعية أو «المثالية» حتى لا نقول «الطوباوية».
الحديث عن حكومة تقطيع الوقت الضائع وتمرير المرحلة، حكومة انتخابات لا لون سياسيا لها، هو حديث منطقي وواقعي في أوضاع طبيعية وعادية، لكن في ظل وضع غير طبيعي، مكشوف أمنيا و«حدوديا»، من دون مظلة ورعاية إقليمية، مفتوح سياسيا على أحد احتمالين: التمديد أو الفراغ ومن دون أفق واضح. في ظل وضع كهذا يصعب توقع حكومة عادية تولد بطريقة تقليدية سلسة، فالحكومة في هذه الحال لا تولد إلا في أحد احتمالين: تسوية سياسية «توافقية» أو تنازل سياسي من أحد الطرفين للآخر، لكن التسوية تتطلب حوارا مازال مفقودا، وأما التنازلات فإنها صعبة عشية استحقاقات دستورية ومعارك انتخابية وسياسية. وبالنزول الى أرض الواقع السياسي ولائحة الخيارات والاحتمالات الحكومية المعروضة على الرئيس المكلف، فإنها محددة في:
1 ـ حكومة حيادية للانتخابات: هذا الخيار أو الاقتراح «ولد ميتا» وقبل أن تبدأ عملية التأليف، عندما أعلن جنبلاط، الذي في يده ورقة الثقة النيابية للحكومة، أنه تعهد للرئيس بري بأنه لا يمشي بحكومة يرفضها حزب الله ولا ترضيه، وعلى هذا الأساس «مشى» بري بخيار تكليف سلام وأقنع حزب الله به.
جنبلاط اكتفى بإعطاء فريق 14 آذار في عملية التكليف ولكنه توقف معه عند هذا الحد، ليعطي فريق 8 آذار في عملية التأليف.
والمعادلة الحكومية التي أوجدها جنبلاط واضحة ولكنها مقيدة لـ «سلام» ولا تصب في خدمة 14 آذار وخطتها السياسية، وتصب في نهاية مطاف التأليف ومن حيث لا يدري جنبلاط عند العماد عون. فإذا كان جنبلاط لا يمشي بحكومة من دون حزب الله، فإن حزب الله لا يمشي بحكومة من دون عون، وعون لا يمشي بحكومة من دون «طاقة واتصالات».
2 ـ حكومة الأمر الواقع: هذه الحكومة طرحت في أوساط 14 آذار ومن خلفية «استنساخ تجربة حكومة ميقاتي ولكن معكوسة».
فإذا كانت «حكومة ميقاتي» قامت على معادلة: 8 آذار + التيار الوسطي (سليمان ـ ميقاتي ـ جنبلاط)، فإن حكومة سلام تقوم على معادلة: 14 آذار + التيار الوسطي (سليمان ـ سلام ـ جنبلاط)، على أن يكون تمثيل 14 آذار بطريقة غير مباشرة عبر شخصيات قريبة ودائرة في فلكها ولا تنتمي الى أحزابها، لكن المشكلة هنا أن جنبلاط لا يمشي بحكومة كهذه لا تمثيل فيها للثنائي الشيعي (أمل وحزب الله)، وأن الرئيس سليمان لا يمشي بأي حكومة من دون جنبلاط ولا يحبذ حكومة لا تنال الثقة وتستمر كـ «حكومة تصريف أعمال» لأنها لا تحل الأزمة القائمة وإنما تزيد الوضع تأزما.
وبالتالي، فإن مناداة ومناشدة بعض قيادات 14 آذار لرئيس الجمهورية وللرئيس المكلف أن يشكلا معا حكومة غير سياسية ويضعا الجميع أمام مسؤولياتهم وأمام «الأمر الواقع»، هذه المناشدة تتم من خلفية وطنية ولكنها غير قابلة للتطبيق سياسيا إلا في حالة واحدة غير موجودة حتى الآن هي إذا غير جنبلاط رأيه وقرر أن يكمل انقلابه.
3 ـ حكومة سياسية تعيد إنتاج حكومتي «ما بعد الدوحة» برئاسة السنيورة والحريري. وهذه الحكومة وتحت أي مسمى كانت، حكومة إنقاذ، أو حكومة وحدة وطنية، أم حكومة استثنائية، يطرحها فريق 8 آذار بقوة وتصميم لعدة أسباب، منها أنه ليس مستعدا في هذه المرحلة لخسارة سياسية كاملة. وبعد سقوط «حكومته» لا يتقبل قيام حكومة 14 آذار تحت أي مسمى سواء سميت حكومة حيادية أو وسطية لأن هذا الفريق لا يرى مكانا للحياد والوسطية في هذه المرحلة ويعتبر تمام سلام مرشح 14 آذار وخرج من بيت الوسط باحتفالية وعلامات انتصار، كما يعتبر أن الرئيس سليمان خرج عن وسطيته وصار مع جنبلاط أقرب الى 14 آذار.
ومن الأسباب أيضا أن فريق 8 آذار يعتبر أن خسارته لمعركة الحكومة ستضعف موقعه السياسي والشعبي عشية استحقاقات متلاحقة، وموقعه التفاوضي في زمن التسويات الآتية وفي مرحلة لا يستطيع فيها حزب الله قائد هذا الفريق أن يعطي مؤشرات ضعف وتراجع.
يمكن القول ان فريق 14 آذار أضاع فرصة تحقيق انتصار سياسي عندما أضاع فرصة تشكيل «حكومته» ولم يضرب الحديد وهو حام وفقد عنصر المفاجأة والمباغتة. ويمكن القول ان فريق 8 آذار ربح الجولة الأولى من معركة التأليف عندما أسقط فكرة «الحكومة الحيادية والوسطية» وأحل محلها فكرة «الحكومة السياسية» لينتقل الى الجولة الثانية، ومرحلة «تحديد أو فرض الشروط» وأبرزها ثلاثة عند حزب لله:
1 ـ تمثيل كل كتلة نيابية في الحكومة بما يتناسب مع حجمها وعددها، وشرط «التمثيل النسبي» يعني حكما وضمنا «الثلث المعطل».
2 ـ إرضاء العماد عون بإبقاء الطاقة والاتصالات له. أما التنازل الذي يقدمه عون فهو عدم التمسك بالوزير جبران باسيل الذي سيترشح مجددا في البترون، أما المداورة فإنها تقتصر على الوزارات السيادية.
3 ـ أن يتضمن البيان الوزاري والبرنامج السياسي للحكومة الجديدة بندا أساسيا يتعلق بالمقاومة وثلاثية «الشعب والجيش والمقاومة»، وهذا لا يتعارض مع إعلان بعبدا.
هل يوافق الرئيس تمام سلام على حكومة سياسية وبشروط حزب الله وحلفائه؟
الواضح حتى الآن في وضعية سلام وطريقة تعاطيه مع عملية التأليف أمران:
٭ الأول: أنه موجود في وضع سياسي غير متكافئ. ففي حين يتلقى ويواجه ضغوطا سياسية قوية من جانب حزب الله وحلفائه لا يجد مساندة قوية من جانب المستقبل وحلفائه، لا بل يبدو كمن هو واقع بين «نارين» نار الحلفاء ونار الخصوم وبين استحالتين: حكومة حيادية وحكومة سياسية.
٭ الثاني: أنه يخوض في معركة التأليف «قتالا سياسيا تراجعيا» ويجد نفسه وقد دخل نفق التنازلات المتتالية إذا كان مصمما على الوصول الى «بر التشكيل» وأن يؤلف حكومة مهما كلف الثمن. والرئيس المكلف بدأ يغادر «نشوة الإجماع» الذي تحقق حوله وبدأ يستشعر «الكمين السياسي» الذي نصب له، وأن الإجماع كان «تقاطعا سياسيا مصلحيا» حول شخصه وكان في وجه من وجوهه انعكاسا لحال العجز عند الفريقين، عجز المستقبل عن إعادة الحريري الى رئاسة الحكومة، وعجز حزب الله عن إيجاد «ميقاتي آخر».
الرئيس المكلف تمام سلام مدرك الآن أن التكليف شيء والتأليف شيء آخر، وأن مهمته لتأليف الحكومة مهمة صعبة ويخشى أن تكون مستحيلة.
الرئيس سلام مستمر وحتى إشعار آخر في دائرة المراوحة والانتظار وفي وضعية «رئيس مكلف من دون أن يؤلف» الى حين جلاء مصير الانتخابات معولا على مرونة سياسية لدى كل الأطراف في حال تم الاتفاق على الانتخابات قانونا وموعدا جديدا وحصرت حكومته في ولايتها ومهمتها بالانتخابات.
لكن هذا الانتظار عند سلام وكل القوى السياسية له صلة خفية بتطورات الوضع في سورية مع دخول المعركة جولة «التصفيات النهائية» والمفترق الحاسم والخطر بين أن تجنح باتجاه الحل السياسي أو باتجاه تعمق المأزق العسكري ورفده بأبعاد إقليمية، وهو على كل حال انتظار لا يمكن أن يطول لأن الوضع في لبنان بات محكوما بسقف زمني وسياسي له صلة بالاستحقاقات الحكومية والنيابية والرئاسية المتلاحقة.
تمام سلام، إذا وجد أنه لا انتخابات في الأفق المنظور وأنه أمام حكومة سياسية متعذرة لأنه محاصر من جهة بشروط 8 آذار الحكومية ومن جهة ثانية بشروط 14 آذار غير الحكومية وفي مقدمها انسحاب حزب الله من سورية وسحب مقاتليه، وإذا وجد أنه يقف عمليا بين خيار أن يكون رئيسا لحكومة 14 آذار «مموهة» أو رئيسا لحكومة 8 آذار «مموهة أيضا» ولا تختلف عن الحكومة المستقيلة إلا برئيسها، فإنه سيكون أمام الخيار الأخير الذي يتفاداه وهو «الاعتذار» والانسحاب بهدوء من لعبة لا يحتمل قواعدها وأثقالها ومن مرحلة لا تناسب مواصفاته وطبيعته.