Note: English translation is not 100% accurate
مخطط لتقسيم سورية إلى 4 دويلات سنية وعلوية وكردية ودرزية
فرض الكيان العلوي ضمن الخطة «ب» بيد نظام الاسد.. وتطبيقها من الباب الكردي
11 مايو 2013
المصدر : الأنباء
هل البديل عن «الحسم العسكري والحل السياسي» الممنوعين الانتقال إلى مرحلة «التفكك» والعودة إلى حقبة ما قبل 1936؟!
سلطت الأضواء بقوة في الفترة الأخيرة على مشروع «الكيان العلوي في سورية:
٭ في أنقرة شن وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو قبل أيام، في لقاء صحافي مع «حريات» التركية، هجوما غير مسبوق على نظام الرئيس بشار الأسد، متهما إياه بالضغط على زر الخطة «ب» القاضية بتطهير الساحل من الطائفة السنية، وتأمين «ممر آمن للنصيريين (العلويين) بين قلب مدينة حمص ولبنان»، معتبرا أن «المجازر الأخيرة التي ارتكبها الأسد في مدينة بانياس ضد السنة، تعتبر مؤشرا خطيرا ومرحلة جديدة في الأزمة السورية، بغية إقامة كيان منفصل على أساس طائفي، أي دولة نصيرية»، على حد قوله، مشيرا إلى أن المؤشرات الآن تدل دلالة واضحة على أن الأسد انتقل إلى تنفيذ الخطة (ب).
٭ في موسكو، أعلن جون كيري وزير الخارجية الأميركي أن البديل عن الحل السياسي للأزمة هو تفكك سورية.
٭ في بيروت، قال النائب وليد جنبلاط قبل أيام (في موقفه الأسبوعي عبر جريدة (الحزب الاشتراكي) «النظام السوري يتمادى في مخططه الواضح لتدمير المدن والأرياف لتهجير الأكثرية السورية داخل سورية وخارجها كمقدمة للمباشرة فيما قد يصح وصفه بأنه بمثابة تطهير عرقي وطائفي بدأ في منطقة الساحل السوري ومدنه بما لا يقبل الشك. وما معركة القصير إلا لتطهير حمص وتغيير تركيبتها الديموغرافية، تمهيدا لتحويلها عاصمة الدولة المنتظرة بعد تقسيم سورية».
بعد معارك «ريف القصير» على مقربة من الحدود اللبنانية والتي طالت بنارها منطقة الهرمل، جرى وضع هذه المواجهات في إطار عملية الربط بين الشيعة في البقاع الشمالي والعلويين في الساحل السوري عبر حمص.
وبعد مجازر طائفية في ريف بانياس شبهت بعملية التنظيف الإتني الذي حصل في البلقان، سلط المراقبون الضوء على الهاجس الطائفي المتمثل في الساحل السوري وجنوبه وامتداده الى لبنان، واعتبرت بداية معركة الساحل السوري نهاية الحل السياسي وبداية مرحلة التقسيم على أساس مذهبي.
هل بدأ نظام الأسد يتجه الى استخدام ورقة تقسيم سورية خيارا أخيرا في مواجهة مشروع إسقاطه؟ وهل دخلت الثورة المسلحة ضد النظام في دمشق مرحلة تفكيك الدولة الموحدة التي فرضها الانتداب الفرنسي على الكيانات المذهبية في سورية منذ العام 1936؟ التساؤلات تبدو مشروعة وواقعية في ضوء ما بدأت تتمخض عنه تطورات الحدث السوري المتسارعة.
عن هذه الأسئلة يجيب محلل استراتيجي في بيروت: مما لا ريب فيه أن وصول الفريق حافظ الأسد الى سدة الرئاسة الأولى في دمشق في العام 1970 شكل في أحد أهم جوانبه محطة مفصلية في جيوبوليتيك الشرق الأوسط تحولت معها سورية من كيان سياسي هش تعصف به التيارات العقائدية والانقلابات العسكرية الى دولة متماسكة مستقرة، ولو عن طريق الاستبداد، والى قطب إقليمي له مكانته المرجحة في المشهد الدولي وكلمته الفاصلة في قضايا الحرب والسلم.
لكن الناتج الأهم لما تمخض عنه آخر فصول حركة الصراع على السلطة في سورية الذي أوصل الأسد الى الحكم حينذاك، أنه شكل نقطة انعطاف مصيرية في تاريخ العلويين كان لها أن تنهي عهودا من المعاناة والقهر وتحولهم من طائفة مهمشة مسحوقة محددة الآفاق والطموحات في القرداحة الى جماعة فائقة النفوذ تهيمن على الأكثرية الساحقة في سورية، تمسك بمفاصل السلطة والقرار في دمشق وتنعم بمقدرات الدولة التي تتيح لها الثروة والرخاء.
من هذه الخلفية يتراءى الوجه الحقيقي للصراع في سورية وتتكشف صورة التحولات المصيرية التي تنتظر المشهد السوري اليوم وبعد أكثر من أربعة عقود على آخر انعطافاته.
ففي الوقت الذي لا يمكن لأحد التنبؤ بما سيكون عليه مستقبل التركة الاستراتيجية الكبيرة التي خلفها المؤسس حافظ الأسد على مستوى وضع سورية ومكانتها ودورها على الساحتين الإقليمية والدولية في مرحلة ما بعد وريثه بشار.
الثابتة التي يتفق حولها الجميع أن سقوط النظام في دمشق سوف يؤدي الى الإطاحة بالتركة الفئوية التي بناها الأسد الأب وعلى النحو الذي سيفضي الى نقطة تحول معاكسة في التاريخ العلوي والى إسدال الستارة عن حقبة النفوذ الاستثنائي التي عرفتها الطائفة الاقلوية في اتجاه حقبة جديدة مثقلة بالمخاوف الجدية والكوابيس المصيرية.
ويدرك الأسد الابن أن سقوط نظامه في دمشق لن يكون شبيها بأي سقوط آخر للأنظمة التي سبقته، فهو لا يمكن أن ينتهي بهرب مفاجئ على غرار ما فعله الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، ولا بعراضة من المحاكمات الصاخبة كتلك التي خضع لها الرئيس المصري ونجلاه مع حفنة من المسؤولين، ولا حتى بعملية انتقال مفروضة للسلطة تفضي الى قيام نظام شراكة سياسية بين مكونات متوازنة القوة كما انتهت إليه الثورة اليمنية.
فالسقوط في دمشق سيكون حدثا دراماتيكيا مخيفا لن يتوقف إلا مع اقتلاع كامل مكونات النظام ومفاصله وفروعه بدءا من الرأس العائلة وصولا الى آخر جذر له في بلاد العلويين.
وما تعنيه عودة الأكثرية السنية الى الحكم بعد 4 عقود من الرضوخ والامتهان أن الطائفة الأقلوية التي حكمت سورية منذ العام 1970 ستكون عرضة لحروب ردية عنيفة ولموجات من الانتقام والتطهير الإتني في واحد من أبشع السيناريوهات التي باتت تتراءى بقوة في الأفق والتي ليس من مجال لتجنبها إلا من خلال خيار الانكفاء الى المعقل العلوي المحصن، ومن خلال تفكيك سورية والعودة بها الى حقبة ما قبل العام 1936، حقبة الكيانات المذهبية والإتنية التي أبصرت النور مع نهاية الحرب العالمية الأولى.
خيار الانسحاب الى المعقل الأصلي وإن كان يؤذن لبداية المسار المعاكس في تاريخ الطائفة العلوية، يمثل في حقيقة الأمر إنهاء واقعيا لحقبة استثنائية في تاريخ سورية لم يعد من الممكن الاستمرار فيها، وعودة قسرية الى حال التموضع الطبيعي للجماعات المقيمة على الجغرافيا السورية.
بل يشكل وبدرجة أعلى إحياء للاتجاهات الاستقلالية التي كانت طاغية في الوجدان العلوي في مرحلة ما قبل العام 1936 وما رافقها من مشروع تحالف الأقليات، وهي الاتجاهات التي خبت خلال العقود الأربعة الماضية تحت وطأة الفرص الكبيرة التي أتاحها وصول حافظ الأسد الى السلطة المركزية في دمشق وما قدمته من إغراءات التوسع والثروة وتصاعد النفوذ.
ولعل أكثر ما يعزز فكرة العودة الى المعقل وإقامة الكيان العلوي المستقل يكمن في أن مشروع الحكم الذاتي للعلويين بات يحظى بعناصر القوة التي تؤهله للعيش ولفرض شروطه في أي تسوية سياسية مستقبلية مع مكونات المجتمع السوري، السنية منها على وجه التحديد.
فأبرز نتائج التجربة الطويلة التي خاضها آل الأسد في الحكم المركزي في دمشق أنها حولت الجغرافيا العلوية في غرب سورية من مناطق معدومة وفقيرة الى بنية متطورة متكاملة المواصفات تسمح لها بأن تكون قاعدة صالحة للحكم الذاتي إن لم يكن للاستقلال.
والجماعة العائدة من تجربة الحكم المركزي باتت تمتلك الثروة الاقتصادية الى جانب القوة العسكرية والقدرات الاستراتيجية والعلاقات الدولية، والى الحد الذي بات يجعل الكيان العلوي في مرحلة ما بعد سقوط النظام المركزي أمرا واقعا من الصعوبة بمكان تجاوزه، ومشروعا جيوبوليتيكيا يتقاطع مع مصالح الكثير من القوى الإقليمية والدولية، ويدغدغ أحلام الجماعات الأقلوية المقيمة في الشرق الأوسط، من يهود إسرائيل الى الشيعة العرب، الى دروز حوران ومسيحيي لبنان وصولا الى أكراد الشرق الأوسط.
مع ذلك، وعلى رغم توافر معظم شروط النجاح، ما يعوز مشروع قيام الإقليم العلوي في سورية هو تأجيج الاتجاهات الاستقلالية لدى أقليات المنطقة وتهيئة الارضية والمناخات في الشرق الأوسط على نحو يجعل من الحكم الذاتي العلوي في سورية جزءا من سياق عام وجارف وليس مشروعا استثنائيا نافرا ومرفوض.
وهنا بالذات يأتي الدور المفصلي لأكبر أقليات الشرق الأوسط: الأكراد، ويصبح في الإمكان فهم أبعاد الحركة الاستراتيجية التي أقدم عليها نظام الأسد في شمال شرق سورية، «كردستان سورية»، حين نفذت قواته انسحابا طوعيا من المدن الكردية الكبرى وسلمتها لحزب الوحدة الديموقراطي الكردي المرتبط بحزب العمال الكردستاني (الملاحق دوليا بتهمة الإرهاب).
في الظاهر يمكن تفسير حركة الأسد بأنها إجراء من النوع الثقيل ضد التدخلات التركية المتصاعدة في الأزمة السورية وعودة الى استعمال ورقة حزب العمال الكردستاني، الخطرة، في مواجهة الدعم المباشر الذي تقدمه أنقرة للثورة السورية.
إلا أن المشهد الذي قدمه الأسد في المناطق الكردية السورية يحمل من الدلالات والأبعاد ما يتعدى بكثير اللعبة الأمنية، ليرتدي طابع نقلة استراتيجية من مستوى مختلف كليا تنطوي في غاياتها الكبرى على:
٭ أولا، تحضير الارضية الكردية في شمال شرق سورية لعملية انفصال عن السلطة المركزية في دمشق.
٭ وثانيا، فتح الطريق أمام التواصل الحر بين كردستان سورية وكردستان العراق بكل ما يعنيه هذا التواصل من تعويم للمسألة الكردية ومن تشريع الأبواب أمام مشروع الوطن الكردي الكبير، وأمام سيناريو تفكيك الأنظمة الاقليمية المجاورة من العراق الى سورية وتركيا وايران.
والواقع أيضا أن ما حققه الأسد في نقلته الاستراتيجية يتمثل في أمرين:
٭ الأول توجيه رسالة قاطعة الى القوى الدولية حيال المصير الذي ينتظر الشرق الأوسط في حال سقوط نظامه المركزي في دمشق، أي تفكيك المنطقة الى كيانات مذهبية.
٭ والثاني، دفع الأكراد الى قيادة مشروع فدرلة الشرق الأوسط بهدف تهيئة المناخات المواتية لإقامة منطقة للحكم الذاتي العلوي في غرب سورية تضمن أمن العلويين، وتأمين الحلقة الأخيرة المطلوبة لمشروع فيدرالية سورية يتشارك في قيادتها العلويون والأكراد والدروز الى جانب السنة.
عند هذا الحد ثمة أسئلة متعددة تطرح نفسها بقوة، أولها هل يمكن فعلا أن نشهد قيامة كيان علوي مستقل وعلى هذا المستوى من القوة في غرب سورية؟ وهل يمكن للقوى الدولية وفي مقدمتها تركيا والأنظمة العربية والولايات المتحدة أن تقبل بنشوء دولة مذهبية تملك القدرات الاستراتيجية والأسلحة الكيميائية؟ وما هي الحدود الفعلية التي تقف بين تطلعات الحكم الذاتي للشعوب، أكراد وعلويين ودروز ومسيحيين، وبين تطلعات الاستقلال الكامل والانفصال؟ الإجابات بالتأكيد لا يمكن أن تكون جازمة ونهائية، فالنظرة التي تصلح اليوم قد لا تصلح غدا أو بعد عقد من الزمن.
إلا أن ما هو ثابت أن تغير الخرائط الجيوبوليتيكية هو شأن أكبر من قدرة الشعوب والجماعات على تحقيقه مهما بلغت من قوة وبأس، وسقوط الأنظمة ونشوءها حركة مرهونة بتطورات تاريخية كبرى وبأحداث عظمى تبقى مقدراتها في يدي القوى الدولية القادرة على الأمر والنهي.
وما هو ثابت من جهة أخرى أن مسلسل الأحداث والتطورات التاريخية التي بدأت تعصف بالعالم منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وصولا الى الثورات العربية التي نشهدها اليوم فتحت آفاقا جديدة للشعوب والجماعات لكي تتحرك وتنتفض من أجل تحقيق تطلعاتها المشروعة وحقها بتقرير المصير.
الأمثلة أكثر من أن تعد وتحصى.
فمن يوغوسلافيا بعد سقوط الشيوعية الى السودان بعد التقسيم، ومن العراق ما بعد الاجتياح الأميركي الى سورية الآن.
منذ بداية الأحداث السورية كانت المخاوف الدولية تتمحور حول 3 أشكال من السيناريوهات المحتملة:
1 - أن تتحول المواجهة بين الثورة ذات الطابع السني والنظام ذي الهوية العلوية حربا مذهبية شاملة تتخطى الجغرافيا السورية لتطول الشرق الأوسط بأكمله.
2 - أن تتحول الانتفاضة السلمية ثورة مسلحة تتمادى في عسكرتها الى الحدود التي تهدد بكسر التفوق الذي يملكه النظام ثم الى السقوف التي تهدد بانهيار الدولة السورية بمؤسساتها ومرافقها بكل ما يعنيه ذلك من الإنزلاق الى الفوضى الشاملة واستعادة مطابقة لمشهد العراق ما بعد الغزو الأميركي.
3 - أن تتحول الأزمة السورية صاعق تفجير للازمات الدولية المحتقنة وعلى النحو الذي يؤدي الى مواجهات من نوع أكبر تتخذ شكل حروب دولية، مباشرة أو مستترة، تقوض الاستقرار والسلم العالميين.
الآن، وبعد عامين على بداية الثورة ضد الأسد، وفي ضوء ما تمخضت عنه من فظائع ومن عجز دولي عن إيجاد الحلول، يبدو المشهد السوري وقد بدأ يترجم كل المخاوف الدولية حقائق ويتجه الى إفراز السيناريوهات القاتمة نتيجة مباشرة للاستحالات الثلاث التي تكشف عنها الصراع.
ففي ظل عدم إمكان التدخل العسكري الدولي في سورية وفقا للنموذج الليبي، ونفاد خيارات المجتمع الدولي وسقوط جميع مبادراته من أجل فرض تغيير سلمي للنظام، وانتهاء باستحالة تحقيق أي تسوية بين النظام والمعارضة، يكون الوضع في سورية قد دخل جديا حمى الكوابيس التي كان يخشى منها، ويصبح مرهونا في اتجاهاته ونهاياته لديناميات الصراع الداخلي المفتوح ومعادلة موازين القوى المتدخلة فيه.