Note: English translation is not 100% accurate
تفاصيل «ليلة سقوط الأرثوذكسي».. وحسابات الربح والخسارة
16 مايو 2013
المصدر : الأنباء
في معركة قانون الانتخابات التي استمرت اشهرا وتظل مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة على المفاجآت، مورست كل أنواع المناورات السياسية ونزل كل الأفرقاء السياسيين بثقلهم مستخدمين كل ما لديهم من خبرات ومواهب وكل الأساليب والوسائل السياسية «المشروعة» التي تشمل الابتزاز والضغط والبلف والتضليل، لتكون النتيجة يوم انطلاق الجلسات المفصلية في فترة ما بين 15 و19 الجاري أن أي قانون جديد للانتخابات المتعذر إجراؤها لن يمر لا بالتوافق ولا بالتصويت، وأن «التمديد» للمجلس النيابي سيكون سيد الموقف. قبل ساعات من «جلسة الأرثوذكسي»، حصل اتفاق سياسي بين «المستقبل والقوات والاشتراكي» حول القانون المختلط إثر حركة اتصالات كثيفة امتدت حتى ساعة متقدمة من الليل، اتفاق كان صعبا ومتعذرا في الأسابيع الماضية، لكنه صار ممكنا تحت ضغط الأحداث وبعدما بات «الأرثوذكسي» مشروعا جديا كاد أن يصبح واقعا قانونيا وسياسيا في غضون أيام. وهذا الاتفاق الذي اعلن صباح امس وقبل انعقاد الجلسة النيابية يقوم على اعتماد 55% من المقاعد النيابية (69 نائبا) على أساس النظام الأكثري وعلى أساس 27 دائرة انتخابية، و45% من المقاعد النيابية (59 نائبا) على أساس النظام النسبي ضمن 6 محافظات.
وهذا القانون طرحه في الأساس الرئيس نبيه بري وتلقفته القوات اللبنانية مع تعديلات غير أساسية وبذلت محاولات أولى غير ناجحة مع المستقبل وعبره مع «الاشتراكي» لتبنيه كأفضل مشروع يمكن التوافق عليه، وكأفضل مخرج من مأزق «القانون الأرثوذكسي» المرفوض كليا من الحريري وجنبلاط، والذي تحول الى مصدر تهديد فعلي لوحدة وتماسك تحالف 14 آذار، وأما الاتفاق الذي تم التوصل إليه ليل اول من امس فقد حصل بعد:
1 ـ «تنازلات» قدمها الرئيس سعد الحريري مثل قبوله خفض عدد المحافظات من 9 الى 6.
2 ـ موافقة النائب وليد جنبلاط الذي «مشى» بالمشروع بعدما تمت مراعاة وضعه الخاص في الجبل وتقسيمه الى محافظتين الأولى تضم الشوف وعاليه والثانية تضم الأقضية الأربعة المتبقية (بعبدا، المتن، كسروان، جبيل). هذا الاتفاق لم يدخل حزب الكتائب الى دائرته بعد بشكل كامل، حيث تحفظت على «المختلط» لثلاثة أسباب: الأول أنه لا يحقق للمسيحيين مطلبهم في مناصفة فعلية ولا يقترب من القانون الأرثوذكسي بالحد المطلوب، وهناك أوجه شبه كثيرة بينه وبين قانون الستين، والثاني هو أنه ينقصه الوضوح والدقة بالنسبة الى عدد الدوائر وتقسيمها ومن من النواب سينتخب على أساس أكثري ومن على أساس نسبي، أما السبب الثالث فإنه يتصل بوضع المتن الذي تم إلحاقه وتذويبه وضرب خصوصيته.
3 ـ ما حدث في جلسة امس يمكن أن يكون مدخلا موضوعيا الى تسوية سياسية أو ما يمكن اعتباره «ميني دوحة» مبنية على مقايضة الحكومة بقانون الانتخابات وتترجم عمليا في سقوط متبادل لـ «حكومة الأمر الواقع» (14 او 8 ـ 8 ـ 8) ولـ «قانون الأمر الواقع» (الأرثوذكسي أو المختلط)، أما التسوية فتقوم على تفاهم حول بندين أو مبدأين أساسيين:
▪ التمديد للمجلس النيابي على أن ينحصر البحث في تفاصيل التمديد: مدته الزمنية وشروطه السياسية، فيكون تمديدا خاضعا لسقف زمني محدد، على أن يصار خلال فترة التمديد الى بذل محاولة جديدة لوضع قانون انتخابات جديد متوافق عليه، وإذا تعذر ذلك إجراء الانتخابات على أساس القانون النافذ (الستين).
▪ تشكيل حكومة سياسية في ظل الغموض الذي يلف الانتخابات ولضرورات المرحلة الدقيقة التي تتطلب حكومة إدارة أزمة واتخاذ قرارات، وهذه الحكومة السياسية تفترض مراعاة مطالب «الثنائي الشيعي» وحليفه التيار الوطني الحر، بما في ذلك مسألة الثلث المعطل الذي سيكون مموها عبر إعطاء الرئيس بري امتياز تسمية وزير محسوب من «حصة الوسطيين».
شهدنا في الأيام الأخيرة احتدام المواجهة في ذروتها واستخدام كل طرف الأسلحة السياسية والإعلامية الثقيلة التي في حوزته: الفريق الشيعي، خصوصا، شن حملة شعواء على «حكومة الأمر الواقع» بلغت حد التخويف واعتبارها مصدر تهديد للاستقرار والوحدة الوطنية، وكانت النتيجة أن سقطت هذه الحكومة أو على الأقل جمدت وسحبت موقتا من التداول الى حين اتضاح مسار ونتائج الجلسة النيابية. في المقابل فإن الفريق السني، خصوصا، شن حملة شعواء على القانون الأرثوذكسي بلغت حد التخويف واعتباره مصدر تهديد للعيش المشترك و«اغتيالا» للبنان، وكانت النتيجة أن تم إجهاض القانون الأرثوذكسي قبل أن يولد، والنتيجة «لا حكومة أمر واقع» ولا «قانون أمر واقع»، لتفتح الطريق أمام التمديد الذي بات «أمرا واقعا».
4 ـ في النتائج السياسية وحسابات الربح والخسارة، هذه الملاحظات والخلاصات الأولية:
▪ نجحت قوى 14 آذار في تجاوز «أخطر قطوع واختبار» منذ قيامها، فهذا التحالف الذي عرف أوقاتا صعبة واهتزازات خصوصا بعد خروجه من الحكم، واجه في الآونة الأخيرة احتمال «انفراط عقده وانهياره بسبب الخلاف الكبير والجذري حول القانون الأرثوذكسي بين المستقبل و«الثنائي المسيحي» في 14 آذار (الكتائب والقوات).
▪ لم تنجح الأحزاب المسيحية أو ما اصطلح على تسميته «أحزاب بكركي» في التجربة السياسية الأكثر جدية التي خاضتها موحدة في مرحلة ما بعد الطائف، وفي كسب أولى وأهم المعارك السياسية التي خاضتها مجتمعة رغم ما بينها من اختلافات سياسية وهي معركة قانون الانتخابات، ولم تتمكن من الوصول مجتمعة الى خط النهاية ومع موقف موحد. وانفراط عقد هذا الائتلاف المسيحي من شأنه أن يضعف العنصر والتأثير المسيحي في المعادلة السياسية العامة، وأن يرد الاعتبار الى المعادلة السنية الشيعية، صراعا وتسوية، والى دور جنبلاط في هذه المعادلة.
▪ الاتفاق الثلاثي حول القانون المختلط هو مشروع أو نواة تحالف انتخابي في الانتخابات المقبلة بين المستقبل. والقوات والاشتراكي في «إعادة منقحة» لانتخابات العام 2009.
▪ هذه معركة سياسية انتهت الى التعادل السلبي بين فريقي 8 و 14 آذار، أي طرف لم يصب بخسارة سياسية جسيمة، وأكثر من طرف بإمكانه أن يدعي الربح ويشعر بالارتياح:
ـ الرئيس نبيه بري نجح في نهاية المطاف في أن يجلب الجميع بمن فيهم الحريري وجنبلاط الى ملعبه، الى ملعب القانون المختلط والقبول بـ «النسبية» ولو جزئيا.
ـ الرئيس سعد الحريري ربح وحدة 14 آذار واستمرارها تحت قيادته ولو تطلب الأمر تنازلات شكلية في قانون مختلط لن يمر.
ـ النائب وليد جنبلاط ثبت وضعه الخاص في الجبل وهذه المرة بقوته الذاتية، ونجح في «إطاحة الأرثوذكسي» (الذي شكل مصدر خطر كبير عليه ومشروع تحجيمه وإلغائه سياسيا)، بانخراطه في «القانون المختلط».
ـ رئيس حزب القوات اللبنانية د.سمير جعجع نجح سياسيا في الخروج من «مأزق الأرثوذكسي» وفي تجاوز وضع صعب وعصيب وصلت فيه علاقته مع المستقبل وقوى 14 آذار الى خطر التفكك والانهيار. ونجح في ذلك بقوته السياسية وعبر «لعبة حافة الهاوية» وعملية تفاوضية صعبة ومعقدة مع المستقبل توصل في نهايتها الى إقناعه بتقديم تنازلات أو حمله على ذلك تحت وطأة التهديد بلعب ورقة القانون الأرثوذكسي «حتى النهاية». وما لم يستطع جعجع الحصول عليه على امتداد أسابيع حصل عليه في ساعات، وتحديدا في استخدام الأرثوذكسي للوصول الى المختلط وإسقاط قانون الستين.
من الصعب تحديد من رمى طوق النجاة للآخر: بري أم جعجع؟ في البداية راهن جعجع على بري بعدما شعر بمخاطر الأرثوذكسي أن بري لن يوصل هذا القانون الى التصويت في الهيئة العامة. وفي النهاية كان بري المحرج بالتصويت على القانون الأرثوذكسي يراهن على أن جعجع سيتخلى عن هذا القانون لمصلحة «المختلط». ولكن بري لم يكن يتوقع اتفاقا حول «مختلط معدل» بين جعجع والحريري وجنبلاط.
في الواقع، أوجدت «معركة قانون الانتخابات» مساحة سياسية مشتركة بين بري وجعجع جرى فيها تبادل خدمات: الأول استفاد من جعجع في عملية الضغط على المستقبل و«ابتزازه»، والثاني استفاد من «قانون بري» في عملية الضغط على المستقبل وجنبلاط ولإسقاط قانون الستين.
ـ العماد ميشال عون خسر معركة القانون الأرثوذكسي التي لم تصل الى «نهاية سعيدة» ولكنه ربح في مجال آخر يعتبره أكثر حيوية وارتباطا بوضعه الشعبي والانتخابي لأنه خاض معركة الأرثوذكسي من خلفية معركة تحصيل الحقوق المسيحية المسلوبة والمصادرة منذ الطائف، وسيصور الخسارة خسارة للمسيحيين يتحمل مسؤوليتها من تراجع ولم يف بالتزاماته وبما اتفق عليه في بكركي. ومن المتوقع أن تعود علاقة عون وجعجع الى سابق عهدها من التوتر والتأزم، وأن نسمع سجالات ومواجهات تذكر بتلك التي حصلت في بداية التسعينيات حول الطائف وتحديد المسؤوليات وتبادل الاتهامات، كما من المتوقع تبعا لموقف حزب الكتائب إذا استمر في تحفظه على «القانون المختلط» أن يكون هذا مدخلا الى تحالف انتخابي بين عون والجميل في إطار خلط أوراق على الساحة المسيحية خصوصا واللبنانية عموما.
ـ حزب الله الذي يتابع مجريات هذه المعركة بصفة «مراقب» مكتفيا بتحديد موقف يتناسب مع متطلبات حليفه عون بتأييد الأرثوذكسي، لكنه موقف لا يصرف سياسيا ويظل من دون قيمة فعلية في حال لم يعرض «الأرثوذكسي» على التصويت وتوافرت له أكثرية. حزب الله سيكون من أبرز الرابحين في نهاية المطاف عندما تنتهي هذه المعركة الطاحنة الى «اللاشيء»، أي الى التمديد للوضع القائم. وما كان حاصلا في النصف الأول من العام 2013 ستشهد مثيلا له في النصف الثاني الذي سيكون امتدادا لما سبق، فيما يكون التمديد عنوان المرحلة.