Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
سورية: الأسباب التي بدّلت «جزئياً» منحى الأزمة وأتاحت لـ «النظام» التقدم بـ «النقاط».. والحذر الأميركي بعد تجربة العراق سبب رئيسي
24 مايو 2013
المصدر : الأنباء
مازالت الأزمة السورية تدور على نفسها في المربع ذاته من المراوحة القاتلة من دون ترقب تغييرات جوهرية وجذرية في اتجاه الحل السياسي أو في اتجاه الحسم العسكري. ولكن طرأ في الفترة الأخيرة ما أشار الى حصول تبدل في منحى الأزمة والأوضاع والى تقدم النظام بـ «النقاط» في مواجهة لا وجود فيها لـ «الضربة القاضية».
وهذان «التبدل والتقدم» حصلا بفعل تضافر جملة عوامل وأسباب مستجدة أبرزها ثلاثة:
▪ التغيير الميداني وعلى الأرض واستعادة النظام لزمام المبادرة العسكرية بتحوله من «الدفاع والانكفاء» الى «الهجوم والتوسع».
▪ وضع المعارضة المتراجع من جراء ما تعانيه تنظيميا من خلافات وعدم توافر شخصية قيادية جامعة ومشروع سياسي متكامل، وما تعانيه سياسيا من ضغوط لدفعها الى الانخراط في الحل السياسي غير المشروط برحيل الرئيس بشار الأسد، وأيضا من جراء علاقتها مع المجتمع الدولي وخصوصا الولايات المتحدة والتي تخيم عليها الشكوك وتراجع فيها عامل الثقة.
▪ الموقف الأميركي الذي مازال في دائرة التردد والميوعة. ومع استمرار الإحجام عن أي شكل من أشكال التدخل العسكري بما في ذلك التدخل غير المباشر من خلال إمداد المعارضة بسلاح نوعي، حصل جنوح أميركي في اتجاه الحل السياسي على أساس اتفاق جنيڤ ووفق التفسير الروسي لهذا الاتفاق.
1 ـ التغييرات العسكرية والميدانية: جاء في تقرير لـ «واشنطن بوست» استنادا الى محللين وخبراء أن قوات النظام السوري بدأت في تحويل الدفة لصالحها في الحرب الدائرة، مدعومة في ذلك باستراتيجية جديدة، ودعم متزايد من إيران وروسيا ومساعدات مقاتلي حزب الله اللبناني. والتقدم الجديد جاء في المناطق التي تشكل أهمية استراتيجية، وهو ما يشير إلى مستوى جديد من الإدارة والفعالية غير المسبوقة في أداء الجيش. المحللون يعتقدون أن الكفة تميل الآن لصالح قوات الرئيس بشار الأسد، وهو ما يتوقع أن يضعه في موقف أقوى لتحديد شروط التفاوض مع المعارضة، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فستكون الحكومة صاحبة النفوذ الأكثر وضوحا. وإذا توقفت الأوضاع على ما هي الآن، فسيتضح جليا أن الثورة لا تشكل خطرا او تهديدا وجوديا للنظام. ويعزو المحللون التقدم إلى إعادة هيكلة القوات الحكومية التي تمتلك تسليحا أفضل لمواجهة الثوار. فقد تعززت قوات الجيش السوري التقليدي، المرتبك بسبب الانشقاقات والخسائر والمنهك من القتال المتواصل منذ أكثر من عام، بنشر ما يقرب من 60 ألف مقاتل غير نظامي دربوا، ولو جزئيا، على يد حزب الله والمستشارين الإيرانيين.
3 ـ «تحولات» الموقف الأميركي ازاء الأزمة السورية، وهي تحولات لا تسير باتجاه تهيئة ظروف التدخل العسكري ولا تؤشر على ذلك، وإنما تسير باتجاه تهيئة ظروف الحل السياسي وتعكس حذرا أميركيا شديدا في التعاطي مع الملف السوري ظل يلازم إدارة أوباما حتى في ولايته الثانية التي يواجه في مستهلها مجموعة التحديات بدءا من البرنامج النووي الإيراني مرورا بالحرب في سورية واحتمال تحولها الى دولة فاشلة وخطر انتشار الأسلحة الكيميائية، والنزاعات الطائفية في العراق، وصعود الإسلام السياسي الراديكالي، والجمود في عملية السلام.
فالرئيس أوباما كان ولايزال يقاوم بشدة التورط العسكري في أي نزاع في العالم، وفي زيارته الأخيرة إلى الشرق الأوسط ركز جهوده في اتجاه ثلاثة إنجازات يعتبرها استراتيجية وهي: إحياء العملية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين، وإقناع نتنياهو بوجهة نظره حيال العمل العسكري ضد إيران، وتحقيق المصالحة بين تركيا وإسرائيل ولم يكن الملف السوري مطروحا بقوة على جدول أعمال الزيارة وعلى الأجندة الأميركية.
لفهم أسباب السياسة الأميركية حيال الأزمة السورية وما تتسم به من «حذر ووهن وتردد» وإلى حد ما «تخبط» نترك للأميركيين أنفسهم مهمة شرح وتفسير هذه السياسة، وحيث يتبين أن «التجربة أو العقدة العراقية» هي سبب رئيسي فيما يحصل:
1 ـ اعتبر نائب الرئيس الأميركي جو بايدن أن الإدارة الأميركية الحالية تتعاطى بحذر مع الملف السوري بسبب الأخطاء التي ارتكبتها واشنطن عند غزو العراق واحتلاله عام 2003.
وقال بايدن في مقابلة نشرتها مجلة «رولينغ ستون» نصف الشهرية، ان فريق الرئيس باراك أوباما عمل على إصلاح صورة الولايات المتحدة في العالم «ولا نريد تخريب كل شيء مثلما فعلت الإدارة السابقة في العراق بحديثها عن أسلحة دمار شامل».
2 ـ صرح وزير الدفاع الاميركي تشاك هاغل بأن المشاكل التي يواجهها الشرق الأوسط بما في ذلك الطموحات النووية الإيرانية والنزاع في سورية تتطلب حلولا «سياسية لا عسكرية».
3 ـ السفير الأميركي في دمشق روبرت فورد (في شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ التي شهدت مواجهة كلامية حادة مع السيناتور الجمهوري جون ماكين، إذ طالب ماكين بضرورة التدخل عسكريا في سورية، فيما تمسك فورد بضرورة إيجاد حل سياسي للأزمة السورية) حذر من زيادة حدة الصراع في سورية، مفضلا البحث عن حلول سياسية.
4 ـ المسؤول السابق في الخارجية دنيس روس والخبير في شؤون الشرق الأوسط كتب (فورين بوليسي الأميركية): النزاع السوري يمتحن الولايات المتحدة إذ يضعها أمام تحديات كبيرة، فالكارثة الإنسانية تتفاقم يوما بعد يوم: نحو ربع السوريين نزحوا من منازلهم، وعدد القتلى شارف على بلوغ 80 ألف قتيل، وهو الى ازدياد، ولا يقتصر أثر الكارثة على وخز الضمير، بل يهدد المصالح الأميركية، فعدوى الأزمة السورية ستتمدد الى دول الجوار وتتفشى، ومع تفكك وحدة البلاد، وتدفق النازحين على هذه الدول وتعاظم قوة المجموعات المسلحة، يتزعزع استقرار المنطقة كلها.
النزاع السوري يهدد المصالح والقيم الأميركية، وثمة تياران فكريان في السياسة الخارجية الأميركية: تيار المثل والتيار الواقعي، الأول يغلب كفة الدواعي الانسانية والأخلاق ويدعو الى تدخل أميركا للحؤول دون الإبادات والمجازر الجماعية، والثاني يرى أن التدخل الأميركي هو رهن الدفاع عن مصالح حيوية فحسب، وقلما يجمع التياران على مسألة، لكن النزاع السوري يسعه الجمع بينهما، فوقف المجازر في سورية مسوغ أخلاقيا، شأن كون التدخل الأميركي لـ «احتواء» النزاع والذود عن المصالح الأميركية مسوغا «واقعيا واستراتيجيا». وهذا النوع من النزاعات لا ينتهي الى عملية سياسية تجمع المعارضة مع عناصر النظام الذين لم تتلطخ أيديهم بالدماء، بل الى غالب ومغلوب، والدعم الروسي والايراني لنظام الأسد يضيق هامش الرحيل أمام الرئيس السوري، وإذا لم يرحل، يستبعد أن تبدأ عملية سياسية ترعى مرحلة انتقالية، والمشكلة السورية معقدة الخيوط ومتشابكة، وتذليلها عسير، فيما هامش الخيارات أمام واشنطن ضيق.
5 ـ المحلل البارز والشهير «توماس فريدمان» (نيويورك تايمز) يقول: بعدما احترقت ألسنتنا في العراق وأفغانستان، ومشاهدة الاضطرابات المتنامية في أعقاب ثورات الربيع العربي في ليبيا وتونس ومصر، فإن الرئيس الأميركي باراك أوباما لديه كل الحق في توخي الحذر من مغبة الاحتراق ثانية في دمشق.
وإذا كنا نرغب في إنهاء الحرب الأهلية وتوجيه سورية نحو مسار الديموقراطية، فنحن بحاجة إلى قوة دولية تحتل الدولة بالكامل وتؤمن الحدود وتنزع السلاح عن كل الميليشيات ووسيط خارجي للانتقال إلى الديموقراطية، ستكون عملية مكلفة جدا وستستغرق وقتا طويلا، ولن تكون نتيجتها مضمونة، ولكن من دون وجود قائد سوري وطني يلعب دور المعالج لا المفرق، بين الطوائف، أرى أنه سيبوء أي إجراء، بخلاف محاولة أي قوة خارجية إعادة بناء سورية من العدم، بالفشل، ونظرا لعدم تطوع أي دولة للقيام بهذا الدور (وأنا بالطبع لا أرشح الولايات المتحدة)، أخمن أن المعركة ستظل دائرة في سورية حتى تستنفد جميع الأطراف قواها. في الوقت نفسه، أينما استطعنا إيجاد ثوار «مخلصين» حقيقيين، فعلينا أن ندعمهم، غير أن علينا أيضا أن نضاعف جهودنا الديبلوماسية من أجل تعزيز قيادة معارضة أكثر مصداقية، تتألف من سوريين أصحاب عقلية مؤيدة للتسوية، يمكنهم طمأنة كل الطوائف في سورية إلى أنها ستكون على قدم المساواة في حكومة جديدة. هناك تسليم بأن الولايات المتحدة هي الدولة الأقوى في العالم من كل الجوانب، إلا أنها لم تعد قادرة على وضع سياسات تجسد قدرة هذه القوة، سواء كانت ظاهرة أو كامنة، على إحداث إنجازات حاسمة في أي قضية ملتهبة في الشرق الأوسط.
وفي إسرائيل تحديدا، يرون أن السياسة الأميركية تبدو كطائر ينتقل من موقف إلى آخر، وتهتم بشراء الوقت والادعاء، أكثر بكثير من اهتمامها بأمر الحسم، ذلك يبدو جليا من خلال الفصل الأخير في تحرك الوزير كيري بشأن الأزمة السورية، والذي أنتج تفاهما مع موسكو حول الحوار مع الأسد، بعد أن كان التوجه الأميركي السابق يتركز على ضرورة وحتمية خروجه من المشهد إما بالقوة أو بالتسوية.