Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
الاستهداف الصاروخي لـ «الضاحية الجنوبية»: تطور أمني خطير ورسالة سياسية ساخنة
28 مايو 2013
المصدر : الأنباء
سقوط صاروخين على الضاحية الجنوبية وعند تخومها (منطقة الشياح) هو التطور الأمني الأخطر في لبنان ويكاد أن يتجاوز ـ رغم محدودية الاستهداف والخسائر البشرية ـ خطورة الاشتباكات الطائفية الدائرة في طرابلس والتوتر المتفاقم في صيدا التي باتت تختزن كل عوامل الانفجار، ليس فقط لأن هذا القصف الصاروخي تجرأ على ضرب معقل حزب الله في الضاحية الجنوبية أو لأن الخرق الأمني وصل الى بيروت في توقيت سيئ للغاية عشية انطلاق موسم الصيف، وإنما لأن هذه الحادثة التي كان إجماع على توصيفها بـ «التخريبية والإرهابية» تنبئ بمرحلة جديدة في لبنان تتغير فيها قواعد اللعبة والاشتباك الأمني السياسي ربطا بالأزمة السورية وانعكاسا لها.
لم يتأخر الكشف عن مصدر هذين الصاروخين من نوع غراد، وتبين بعد ساعات قليلة أنها أطلقت من خراج بلدة عيتات الواقعة في قضاء عاليه وهي بلدة اشتهرت أيام الحرب (جبهة عيتات ـ سوق الغرب) وواقعة ضمن نطاق نفوذ الحزب الاشتراكي و«جبل وليد جنبلاط»، ولكن بالتأكيد لا علاقة للاشتراكي ورئيسه بما جرى، لا بل أبدى جنبلاط كل تعاطف مع «الضاحية» وأبدى انزعاجه من دخول جهة ثالثة على خط التشويش على علاقته مع حزب الله وانطلاقا من الجبل، وكانت هذه الحادثة سببا مباشرا في تسريع حركة جنبلاط المنسقة مع بري في اتجاه التمديد وفي تسريع الخطى باتجاه فتح قنوات تواصل وحوار بين المستقبل وحزب الله رغم كل التوتر والتشنج والانقطاع الحاصل.
الاهتمام تحول في اتجاه تحديد الجهة التي تقف وراء هذا الاستهداف الصاروخي وهويتها السياسية. وفي ظل غياب أي أدلة وقرائن حسية حتى الآن على تورط جهة معينة وعدم إقدام أي جهة على تبني هذه العملية ليبقى الصاروخان «لقيطين» ومجهولي المصدر السياسي والأمني لا الجغرافي، وان كان حصل نوع من لغط وبلبلة على مستوى الجيش الحر (عندما حذر أحد قادته النقيب عمار الواوي من أن ما حصل هو مقدمة لنقل المعركة الى لبنان، وأن ما يجري في القصير سيكون له امتداد وانعكاس في بيروت، ليسارع أحد المسؤولين في الجيش الحر فهد المصري ومثله الناطق الإعلامي باسمه لؤي المقداد الى نفي أي علاقة لـ «الحر» بقصف الضاحية)، فإن باب التكهنات والتحليلات فتح على مصراعيه، وتم التركيز فيها على أمرين أساسيين:
▪ الأول: الربط المباشر بين خطاب أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله وإطلاق الصاروخين على الضاحية، ويستند أولا الى «الرابط الزمني» لأن القصف حصل بعد ساعات على هذا الخطاب وبدا ردا مباشرا عليه. وأبرز ما تضمنه هذا الخطاب الدعوة الى «تحييد لبنان عن الحرب السورية ودعوة الأطراف اللبنانية المؤيدة للنظام والمعارضة في سورية الى أن تتقاتل في سورية ولا تنقل الحرب لا الى طرابلس ولا الى أي مكان آخر في لبنان. وكان خطاب السيد نصرالله واضحا ومباشرا و«صادما» في تأكيد الوقوف الى جانب النظام السوري حتى النصر، وفي وضع الخطر الآتي من جهة الشمال (سورية) في مرتبة الخطر الآتي من جهة الجنوب (إسرائيل)، وفي إعطاء تبريرات استراتيجية لمشاركة حزب الله في القتال في سورية لحماية ظهر المقاومة وسندها وحتى لا يضطر حزب الله في المستقبل الى مقاتلة «التكفيريين» في لبنان. أما المضمون الأساسي الذي انطوت عليه رسالة الصاروخين فهي أن الفصل بين الساحتين السورية واللبنانية لم يعد ممكنا بعد انخراط حزب الله في القتال في سورية، وأن حزب الله لن يستمر في وضع مريح داخل لبنان إذا استمر في قتاله داخل سورية
▪ الأمر الثاني في مجال تحديد المسؤوليات وتوجيه الاتهامات الذي أخذ في الاعتبار هو الربط بين «صاروخي الضاحية» و«صواريخ الهرمل»، بمعنى أن الجهة التي تقصف هناك هي نفسها التي تقصف هنا وبالصواريخ ذاتها وأيا تكن الأداة المنفذة، سورية أو فلسطينية أو لبنانية، وبالتالي فإن ما حصل في الضاحية هو امتداد أمني لما يحصل في الهرمل ويعلن اتساع نطاق الحريق وتمدد الأزمة السورية في اتجاه العمق اللبناني.
هذا التطور الأمني في اتجاه الضاحية الجنوبية لم يكن مفاجئا في حصوله بعدما كانت سبقته تهديدات صادرة عن جهات متطرفة تلميحا أو تصريحا بأن الضاحية في قائمة الأهداف. وربما عنصر المفاجأة يكمن في الطريقة المستخدمة، عبر القصف الصاروخي من الداخل اللبناني وليس من خارج الحدود، بعدما كانت التوقعات والتقديرات تصب في اتجاه حصول عمليات تفجيرية إرهابية على غرار ما يحدث في العراق وسورية. وهذا الاحتمال يضعه حزب الله في حسابه ولهذه الغاية بدأ منذ فترة حالة استنفار أمني غير منظور لإبقاء الوضع تحت المراقبة في سياق «الأمن الوقائي». لكن حزب الله دخل في مرحلة جديدة يواجه من خلالها خطرين متساويين (إسرائيل والتكفيريين) بحسب وصفه، والمحاربة على جبهتين: الإسرائيلية والسورية، ولمواجهة ضغوط أمنية متزايدة في الداخل تصاحبها ضغوط سياسية متزايدة من الداخل والخارج وصولا الى وضع حزب الله على لائحة الإرهاب بسبب تدخله في سورية.