Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
«التقارب» المصري ـ الإيراني.. أسباب تُعيق تطوره إلى «تحالف»
1 يونيو 2013
المصدر : الأنباء
لم يعد خافيا على أحد أن العلاقات المصرية ـ الإيرانية شهدت قوة دفع بعد وصول الرئيس محمد مرسي للسلطة، تكللت بعدد من الزيارات الرسمية، الى أن سجل مؤخرا تحرك مصري مفاجئ باتجاه إيران، حيث قام وفد مصري رفيع المستوى بزيارة طهران، بهدف إحياء «المبادرة الرباعية» التي أطلقها الرئيس محمد مرسي لإيجاد حل إقليمي للأزمة السورية بالسبل السياسية المقبولة.
واعتبرت الزيارة خطوة على صعيد تلمس أبعاد دور مصر الإقليمي، خاصة فيما يتعلق بالأزمة السورية، وفي بلورة رؤية مصرية خالصة تجاه هذه الأزمة، وتبني موقف مختلف عن مواقف ورؤى دول مثل قطر وتركيا والسعودية بشأن طريقة حل الأزمة السورية. وهذه الرؤية تقوم على رفض أي عمل عسكري خارجي لإزاحة النظام في دمشق. وعلى هذا الأساس جاءت مشاركة مصر في «مؤتمر أصدقاء سورية» الذي نظمته واستضافته طهران يوم أمس.
كما أن مرسي يدرك طبيعة التغيرات الإقليمية خاصة على صعيد التقارب التركي ـ الإسرائيلي، لذا يبلور نهجا مصريا لم تعد الأولوية فيه لبقاء الرئيس السوري بشار الأسد أم رحيله. الأولوية بالنسبة لمرسي هي الحفاظ على الدولة السورية. وتشكل خطوة التقارب بين مصر وإيران عامل «توازن استراتيجي» يتيح لمصر حرية حركة أوسع في علاقاتها بإسرائيل، ومن منطلق أنه ليس من المعقول أن تكون هناك علاقات تطبيعية مع تل أبيب ولا تكون هناك علاقات مع طهران.
وقد ظهر وكأن رؤى إيران ومصر تجاه القضية السورية تأتي في مسار واحد، الى حد القول ان التعاون بين إيران ومصر يمكن له أن يصنع التاريخ من جديد، وهذا يشكل انقلابا كبيرا على ركيزة أساسية في السياسة الخارجية المصرية في العهد السابق بنيت عليها علاقات وتحالفات وتوازنات استراتيجية قائمة ومستمرة إضافة إلى مصالح اقتصادية ضخمة.
في المقابل، هناك بعض المتغيرات الإقليمية التي باتت تثير مخاوف طهران على غرار التحول في العلاقات التركية ـ الإسرائيلية، والأزمة السياسية العميقة التي تواجه حليفها في العراق (رئيس الوزراء نوري المالكي)، فضلا عن الوضع الحالي لحركة حماس التي يمكن القول إنها عادت إلى حضن التنظيم الأم وهو جماعة الإخوان المسلمين في مصر. وهناك أهمية كبيرة للتقارب الايراني ـ المصري بالنسبة لطهران لأنه بمنزلة خروج من العزلة المفروضة عليها وفتح آفاق جديدة لها في افريقيا عبر المحور المصري ـ السوداني، لاسيما بعد التهديد الكبير لمحورها الآسيوي الممتد من سورية الى لبنان، وكذلك القلاقل التي تقابلها في العراق.
لكن العلاقات بين البلدين لم تشهد التطور الذي كان متوقعا بعد عامين من سقوط النظام السابق، لم يحدث تبادل للسفراء، إضافة إلى غياب التنسيق أو التحالف الاستراتيجي بينهما. صحيح أن الزيارات المتبادلة لكبار المسؤولين المصريين والإيرانيين قد ازداد عددها بين القاهرة وطهران منذ صيف العام الماضي، إلا أن عودة العلاقات ظلت متعثرة. فالزيارات تظل مجرد زيارات، ما لم يتبعها تنفيذ عملي للوعود التي يطلقها هذا الجانب أو ذاك. وليس هناك أي مؤشر آيديولوجي على الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين في مصر وإيران، إذ إن هذه الزيارات تأتي لحضور مؤتمر هنا أو هناك، مثل حضور الرئيس مرسي مؤتمر دول عدم الانحياز في طهران العام الماضي، وحضور الرئيس نجاد مؤتمر القمة الإسلامية في القاهرة هذا العام.
وفي الواقع هناك عقبات كثيرة وعوامل عدة تقف عائقا أمام تقدم وتحسن هذه العلاقات أبرزها:
▪ القضية السورية: توجد منافسة بين مصر وإيران في الملف السوري، النظام المصري الآن يعلن دعمه للثورة السورية والفصائل الإسلامية المسلحة في الثورة السورية، وفي المقابل هناك الدعم الذي تقدمه إيران للرئيس الأسد.
▪ علاقات مصر مع الغرب والخليج: الغرب والخليج يعارضون عودة العلاقات بين القاهرة وطهران، والنظام المصري لا يريد أن يفسد علاقته مع الغرب. لذلك يجب أن تستعد مصر لمعارضة أميركية وإسرائيلية وخليجية عند إعادة علاقاتها مع إيران، وهذا يتطلب رؤية كاملة لدور مصر الإقليمي وعلاقاتها حول العالم، وهذا غير قائم. ويتخوف عدد من الديبلوماسيين من تأثير ذلك على العلاقات المصرية مع دول الخليج، حيث لدى مصر ملايين المصريين العاملين في دول الخليج، يمثلون رابع مصادر الإيرادات للموازنة العامة، فهل ستعوض إيران ذلك، أو حتى قريبا منه؟ إن زيارة بعض المسؤولين الإيرانيين لمصر تجعل إيران تعتقد أنها تمد يدها وتجد مصر جاهزة لهذه اليد، لكن مصر متحفظة. بوابة مصر الشرقية في الخليج، وأمن مصر يبدأ من الخليج. ان تهديد إيران للخليج يهدد مصر، والتدخل في الشؤون العربية يجعل مصر والعرب غير مستريحين من التصرفات الإيرانية. ومصر لا تريد لعلاقتها مع إيران أن تكون على حساب الخليج.
المخاوف الخليجية لا تقف عند حد دخول التشيع لمصر بل تتعدى لاحتمال نشوء هلال شيعي رديف. الهلال الشيعي الممتد من إيران للعراق وسورية وحزب الله سيقابله هلال آخر من أنظمة حليفة تمتد من غزة ثم مصر والسودان فالحوثيون في اليمن. هذه الدائرة ستجعل الخليج محاصرا من جميع الاتجاهات، كما أنها ستفقد الخليج عمقه الغربي في مصر كما فقد عمقه الشرقي في العراق. حلفاء إيران في اليمن أصبحوا دولة داخل دولة ومع الارتباط بمصر تصبح لدى إيران القدرة على إغلاق مضائق هرمز والمندب والسويس ان نشبت حرب إقليمية، إشارة الى أن الوضع في مصر مضطرب ولا توجد استراتيجية ولا رؤية، والقضية لا تتعلق فقط بالملف المصري وحده في ظل حالة الاشتباك القائمة في الإقليم، حيث إن مصر في وضع لا يحسد عليه، وليس من السهل عليها أن تتخذ قرارا منفردا بشأن إعادة العلاقة مع إيران.
▪ الصراع على قطاع غزة: تخوض كل من مصر وإيران صراعا قويا بشأن نفوذهما وأهدافهما المتضاربة في قطاع غزة، وبينما تشعر طهران بخيبة أمل من وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل بوساطة مصرية، تسعى مصر جاهدة إلى تعزيز السلام وفرض الهدوء في القطاع، إذ ترى أنه يخدم مصلحة مصر القومية. وتتصدى مصر بكل قوة لمحاولات تسعى من خلالها إيران إلى إرسال أشخاص وأسلحة إلى غزة.
▪ الداخل المصري: التيار السلفي المصري، الذي دعم فوز الرئيس الحالي محمد مرسي، يرفض أي تقارب مع إيران، محذرا من أطماع طهران في التمدد الشيعي، ومن مواقفها المساندة للرئيس السوري بشار الأسد ضد شعبه، وهو الموقف نفسه الذي عبرت عنه مؤسسة الأزهر أمام الرئيس الإيراني أحمدي نجاد حين زار مصر مطلع العام الحالي. من الصعب جدا أن يقبل هذا التيار بعودة العلاقات بين مصر السنية وإيران الشيعية، إضافة الى معارضته للسياحة الإيرانية وما يتعلق بمزارات الشيعة ومراقد آل البيت.
ان شروط التيار السلفي لعودة السياحة الإيرانية لمصر، هي أن تتوقف طهران عن دعمها لنظام الرئيس السوري، وأن تتوقف عن إثارة القلاقل التي تغذيها في دول الخليج، وكذلك أن تتوقف عن اضطهاد أهل السنة في إيران، مشددا على ضرورة رفض مصر لأي تقارب مع طهران في الوقت الحالي.
يقول المراقبون: يبدو القصور واضحا على صعيد رسم وتخطيط السياسة الإقليمية المصرية، فعودة العلاقات مع إيران هي مصلحة مصرية يجب حساب توقيتها وفوائدها بدقة، وهي ليست مطلوبة لحد ذاتها، بل للفوائد التي ستحققها لمصر ودورها الإقليمي.
ولا يمكن أن تكون عودة العلاقات المصرية ـ الإيرانية خصما من رصيد مصر لدى شقيقاتها العربيات، ويجب ألا يكون على القاهرة أن تفاضل بين العلاقات مع إيران أو العلاقات مع دول الخليج العربية، فهذا إفلاس استراتيجي فادح. وقد كشفت سياسة محمد مرسي الإيرانية استعجالا للعب ورقة إيران في غير مكانها وتوقيتها، لذلك تقول الشواهد ان العلاقات المصرية ـ الإيرانية ستعرف تحسنا موسميا فقط عندما يتطلب الأمر بين الفينة والأخرى التلـويح لــدول الخليج العربيــــة بـ «الفزاعة الإيرانية».