Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
«جنيف ـ 2» أو المؤتمر الدولي «الافتراضي»: هل يعقد؟! وإذا عقد فهل ينجح؟!

ٍبعد تأجيل متكرر من شهر الى آخر، يعكس حجم العقبات والمشاكل، فإن السؤال البديهي بشأن مؤتمر «جنيف ـ 2» لحل الأزمة السورية: هل يعقد هذا المؤتمر وتوضع عربة الحل السياسي على سكة الحوار بين النظام والمعارضة برعاية وتسوية دولية؟ فبعد معركة القصير وجنوح الوضع نحو منحى عسكري واختلال التوازن، تعاظمت الشكوك في إمكان عقد «جنيف ـ 2» وتضاعفت المشاكل التي تعترض طريقه.
ربما يكون التصعيد الميداني الجاري مرتبطا بموعد انعقاد مؤتمر «جنيف ـ ٢» لتثبيت المواقع وكسب أوراق على طاولة التفاوض، وهذا يعزز الاعتقاد أن المؤتمر لن يأتي بحل سريع أو سحري للمواجهة الكبرى، لأن النظام ليس في وارد تقديم تنازلات مهمة، فهو يشعر بعد الانتصارات الأخيرة بأنه في موقع قوة، ولا يرى ضرورة للتفاوض الجدي. أما المعارضة فلاتزال مشتتة جدا، ولن تقتنع أطرافها بجدوى فتح مفاوضات مع نظام يتمادى في قصف المدنيين والمدن.
والمستعجلون الذهاب إلى جنيف ـ 2 سيصابون بخيبة أمل كبيرة، سواء عقد أم لم يعقد. وهناك من يقول إن مؤتمر «جنيف ـ 2» لن يعقد قبل إحداث توازن على الأرض، بل إنه فشل قبل أن يبدأ بسبب الخلافات والتباينات والمشاكل والتعقيدات المحيطة به وأبرزها:
٭ غياب الاتفاق المسبق على نتائج المؤتمر الدولي. لم تحدد الأطراف التي ستشارك فيه، ولم يعتمد تعريف واحد وواضح للحكومة الانتقالية وصلاحياتها الكاملة، وهل تشمل المسائل العسكرية والأمنية، وأين موقع الرئيس بشار الأسد ودوره ودور رموز النظام، ومن يمثل المعارضة السياسية والعسكرية، بأطيافها الداخلية والخارجية التي تكاد تخسر قضيتها بتعدد رؤوسها وتشتتها مجموعات؟
٭ هناك اللاعبون الإقليميون الذي لا يمكن المهندسين الروسي والأميركي أن يفرضا عليهم ببساطة صيغة التسوية. ففي مقابل اندفاع إيران وحليفيها اللبناني والعراقي إلى الانخراط الميداني في الصراع دفاعا عن النظام، لم تتوقف دول عربية وإقليمية أخرى عن الانخراط في الصراع أيضا. والدول العربية والإقليمية حددت موقفها من التسوية، أن لا مكان للرئيس الأسد ونظامه في أي تسوية. هذا الموقف العربي ـ التركي لا يواجه موقفي روسيا وإيران فقط، بل يوجه رسالة واضحة إلى الدول الكبرى لتدرك أنها لم تعد تملك حرية كاملة في فرض سياساتها ومواقفها وأجنداتها على الدول الإقليمية.
٭ الخلافات التي تعصف بالمعارضة السورية وتعوق توصلها الى تشكيل وفد مشترك للجلوس على طاولة المفاوضات مع النظام، إضافة الى خسائرها في الميدان، ما أدى الى إضعاف موقفها التفاوضي بحيث انها لم تعد في الموقع الذي يسمح لها بإملاء شروطها.
وليس أمام المعارضة سوى خيار المشاركة وتنظيم نفسها قبيل المؤتمر الدولي، وهي ستشارك لكنها تتحسب مسبقا لاحتمالات تعريضها لضغوط لإرغامها على قبول تسويات قد لا تحقق مصلحة الثورة، وتخشى أيضا أن تهتز صدقيتها في الداخل اذا لم تحترم شروطها المبدئية للمشاركة، وأهمها: تنحي الأسد ووقف العمليات العسكرية لقوات النظام وحزب الله وإيران وعدم وجود رموز نظام الأسد أو مشاركة «الحلقة الضيقة» في العملية الانتقالية، وأن تكون الحكومة الانتقالية ذات صلاحيات كاملة.
٭ التباين الأميركي ـ الروسي حول دور الرئيس السوري بشار الأسد في المرحلة الانتقالية. فقد نشب خلاف على عملية نقل الصلاحيات إلى هيئة تنفيذية. وعبر الروس عن عدم اقتناعهم أن على عملية نقل الصلاحيات أن تشمل كامل الصلاحيات بما فيها الأمن والجيش. ويعتبرون أن الأمن والجيش يدخلان في نطاق صلاحيات الرئيس، وينبغي ترحيل الملف لطرحه برمته عند الوصول إلى القضايا الخلافية الكبرى، كتحديد مصير الرئيس وهو قائد الأمن والقوات المسلحة أيضا، بانتظار أن يحسم ذلك دستور سوري جديد أو إعلان دستوري خلال المرحلة الانتقالية، وليس خلال عملية بناء الحكومة الانتقالية. ويتمسك الفرنسيون والأميركيون بنقل كامل للصلاحيات بما فيها خصوصا ما اتصل منها بالأمن والجيش، باعتبارها أحد تدابير بناء الثقة، لتسهيل تطبيع الأوضاع وسحب الجيش إلى ثكناته.
٭ التباين الأميركي ـ الأوروبي حول مسألة مشاركة إيران في المؤتمر الدولي، إذ لم يعد الأميركيون يمانعون في حضور إيران بصفة «دولة مراقب»، فيما الأوروبيون يعارضون حضورها لأنها طرف في الحرب ولأنها تريد ربط الملف السوري بالملف النووي الإيراني والمساومة عليه في المفاوضات الدولية معها. ويعد موضوع حضور إيران نقطة حساسة بين أميركا وروسيا، وبين الأولى وعدد من الدول العربية والغربية. ويتوقع أن يربط النظام السوري حضوره للمؤتمر بحضور طهران، خاصة أن الأخيرة كانت أول المرحبين بالتوجه الأميركي ـ الروسي المشترك تجاه الأزمة السورية. كما أن الموقف السعودي والإماراتي يعارض إعطاء طهران دورا على طاولة بحث المستقبل السوري ويرى أن ذلك يشرع الدور الإقليمي الإيراني في سورية وما بعد.
قد تكون هذه المرة الأولى بعد نهاية الحرب الباردة التي يتمترس فيها الجانب الروسي على موقفه، من دون أن يتراجع أو يساوم، بل وأجبر الولايات المتحدة على تغيير مجمل مواقفها والاقتراب منه بدل العكس. لقد سلمت الولايات المتحدة بحقيقة الدور الروسي في المسألة السورية، بعد أن تم تهميش هذا الدور في المسألة الليبية ومن قبلها في العديد من الصراعات والأزمات، كالعراق وأفغانستان ويوغسلافيا. فالأزمة السورية وتطوراتها أظهرت غياب نفوذ إدارة أوباما بوجه روسيا في هذه المنطقة أو أنها سلمت المنطقة لروسيا لأن مصالحها ليست مهددة في سورية مفككة، وأوباما معني ومهتم أكثر بإيران ودورها في المنطقة وبالتحديد بالنسبة لإسرائيل.
وبالنظر إلى تفاصيل المبادرة السياسية، يلاحظ أنها أتت بنوع من قبول أميركي بالخطوط العريضة للموقف الروسي، إذ توافق الطرفان على ضرورة الحل السياسي وأقر الطرف الأميركي ضمنا بصعوبة انتصار المعارضة بقوة السلاح.
في موازاة ذلك، كان لتدخل حزب الله ارتدادات على الرأي العام والمجتمع السياسي الغربي، وذلك أن نجاحات النظام وحزب الله تضغط على سياسة أوباما وتحمله مسؤولية ما يحصل على الأرض وتنذر بتوسع نفوذ إيران، وهذه التغيرات تخلق ديناميكيات جديدة في الخطاب السياسي في واشنطن وتضغط على إدارة أوباما باتجاه التفكير مجددا بزيادة دعم المعارضة أو التفكير بخيارات عسكرية. فإدارة أوباما لا تريد أن تتهم بأنها تركت سورية الثائرة لتقع مجددا تحت سيطرة إيران وحلفائها، أو أنها وقفت مكتوفة الذراعين أمام مجازر تذكر بمجازر سربرينيتسا أو رواندا، وتعي أيضا أن المفاوضات لن تنجح إذا لم يمارس ضغط فعلي على نظام الأسد وحلفائه.
على الرغم من أن من المرجح أن مبادرة جنيف ـ 2 لن تنجح في حل النزاع، إلا أنها مهمة لبداية البحث عن حل للأزمة السورية. فمنذ اندلاع الثورة بدأت المبادرات السياسية مع المبعوث الأممي العربي كوفي أنان، واستمرت مع الأخضر الإبراهيمي، بيد أنه، وفي ظل غياب الجدية الداخلية أو التوافق الإقليمي أو الدولي، كان من المستحيل الوصول إلى نتيجة.
ويمكن القول إنه إذا كان هناك من اتفاق روسي ـ أميركي حول سورية فهو الانتظار حتى لقاء أوباما - بوتين في قمة الثمانية الكبار الإيرلندية بعد أيام (17 و18 الجاري)، وما حدث طيلة الأسابيع الماضية كان عملية شراء وقت وعملية تجميع اوراق حتى القمة المرتقبة بين الرئيسين، فالقمة الاميركية ـ الروسية سترسم طبيعة التعاطي مع الوضع السوري، وستحدد مسار الامور بشأن سورية.