Note: English translation is not 100% accurate
تحليل اقتصادي
اليورو على غرار معيار الذهب
20 يوليو 2013
المصدر : الأنباء
يحظى القادة الأوروبيون في الوقت الراهن بفترة من الراحة منذ الاضطراب المالي الذي عصف باليورو في الصيف الماضي، لكن رغم تلك الفترة من الراحة إلا أن اليورو ما زال عرضة للخطر، مما عزا بالقول بأن الاتحاد المصرفي الأوروبي ما هو إلا طريق طويل لهشاشة اليورو.
فمن خلال دراسة قام بها مايكل بوردو من جامعة روتجرز وهارولد جيمس من جامعة برينستون نظر المؤرخان الاقتصاديان من خلالها إلى عيوب نظام العملة الواحدة على المستوى العالمي متخذين في ذلك معيار الذهب كمثال، كما عرفا من خلال تلك الدراسة أسباب تآكل قيمة تلك العملة الموحدة.
فأوجه الشبه بين اليورو ومعيار الذهب ليست متماثلة على النحو الكامل، لاختلافات تعود إلى أن اليورو هو العملة الموحدة كما انه هو الوحدة النقدية بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي (ECB)، في حين أن معيار الذهب ليس له مؤسسة. كذلك اليورو متذبذب امام العملات الاخرى مثل الدولار، والبنك المركزي الأوروبي ملزم بالحفاظ على استقرار الأسعار بدلا من تحويلها إلى ذهب. ولكن بالنسبة للـ 18 دولة المشتركة في عملة اليورو فهو بمنزلة معيار الذهب الجديد لهم التي يتم صيانة أسعار صرف عملاتها بين بعضها البعض مقابله.
كل هذه الملاحظات السابقة ليست بجديدة، لكن الجديد في هذا التحليل هو التوترات التي الغت معيار الذهب في نهاية المطاف، فتلك التوترات خرجت من ضمن ثلاث مجموعات كل مجموعة لديها ثلاثة خيارات على ان كل خيارين قابلان للتنفيذ معا في حين لا يجوز تنفيذ ثلاثتهم معا، وهو ما يعرف بفرضية «الثالوث المستحيل»:
وتعتبر هذه الفرضية من المبادئ الرئيسة للاقتصاد النقدي التي تقوم على مبدأ تخلي الدولة عن أحد الأهداف الثلاثة: استقرار معدل الصرف، الاستقلال النقدي، أو تكامل السوق المالية ولا يمكنها أن تحققهم معا. فإذا لوحظ أن الأسواق المالية تتجه وبشكل متزايد نحو التكامل على المستوى الدولي فذلك يعني أن الدولة ستجبر على التخلي إما عن استقرار أسعار الصرف أو عن الاستقلالية النقدية، وفي هذه الحالة لا يمكن للدولة الأخذ بكليهما أو الأخذ بنصف الاستقرار ونصف الاستقلال، ومن الملاحظ أن كل جانب من جوانب المثلث يمثل جذبا باتجاهه ليعكس الرغبة في اختبار احد الأهداف التالية:
1- الاستقلالية النقدية.
2- استقرار أسعار الصرف.
3- تكامل التمويل الدولي.
والدولة يمكنها تحقيق اثنين فقط من الأهداف، بحيث تحقق الهدف الأول والثاني إذا كانت تسيطر على رأس المال، والهدف الثاني والثالث إذا كانت تتبع العملة الموحدة (النظام الثابت)، والهدف الأول والثالث إذا كانت تتبع النظام المرن الحر. كما أن تزايد حركة رأس المال يؤدي في النهاية إلى التكامل المالي، مما يدفع غالبية الدول تجاه الجزء الأسفل من الرسم، فيكون الخيار أمام هذه الدول مقتصرا على درجة مرونة سعر صرفها أي الاختيار بين التعويم الحر والنظام الثابت، بينما في الواقع حتى مع قابلية حركة رأس المال مثلى فليس هناك ما يمنع الدول من اختيار الأنظمة الوسيطة.
وسنبدأ بالشق الاول وهو الاستقلالية النقدية فعند التخلي عن أهمية أسعار صرف العملات، قد تضطر البلدان إلى تغير الاسعار المحلية كذلك الاجور، ذلك في حالة ان يكونوا بعيدين عن واقع الاسعار والاجور في البلدان المحيطة بهم.
فقبل الحرب العالمية الأولى كان معيار الذهب يعمل بشكل جيد ولكن بعد ان قامت الحرب العالمية الاولى نتج عنها ضغوط على كل من الفوائض والعجز في الموازنة لدى الكثير من البلدان حيث كسب منها البعض وخسر الاخر واصبح هناك تنافس فيما بينها، فاستحوذت الدول التي لديها فوائض نقدية على الذهب دافعة بذلك المعروض من السيولة النقدية إلى الارتفاع مما ادى الى التضخم وارتفاع الاسعار في تلك البلدان وبالتالي جعلها ذلك أقل قدرة على المنافسة، فالبلدان التي لديها عجز خسرت الذهب مما تسبب في انكماش المعروض من السيولة النقدية دافعة الاسعار للانخفاض وقد دعم ذلك قدرتها على المنافسة مرة أخرى.
ومن هنا يبدو لنا ان اليورو يشابه الذهب ابان فترة ما بين الحربين العالميتين على خلاف ما كان عليه الذهب قبل الحرب الكلاسيكية، فبعد عودة معيار الذهب عام 1920، قامت البنوك المركزية للدول ذات الفوائض المالية مثل فرنسا بتقنين الآثار النقدية من تدفقات الذهب حتى أن الأسعار لم ترتفع. مما وضع ضغوطا كبيرة على دول مثل بريطانيا من اجل التسوية وجعلها تعود من جديد إلى معيار الذهب عام 1925.
فبالمثل نرى هناك عملية انكماش قاسية تجرى الان في بلدان منطقة اليورو مثل اليونان، فالتسوية ستكون اقل بكثير لو ان الدول الرئيسية مستعدة لتحمل تضخم اكبر من متوسط التضخم في منطقة اليورو، ولكن المانيا تقاوم ذلك بشراسة.
أما الشق الثاني وهو عدم التوافق بين بلدان الاتحاد الاوروبي وبعضها بالنسبة لأسعار الصرف الثابتة وحركة رأس المال في ظل الاستقرار المالي، فعندما انضمت البلدان إلى معيار الذهب ادى ذلك الى تدفق كبير من الأموال الأجنبية دافعة معدلات الائتمان الى الارتفاع في ظل انفتاح البنوك في منح القروض والذي غالبا ما ينتهي بالمآسي. فبموجب معيار الذهب يمكن لدولة قوية بطريقة غير مستمرة ان تدعم البنوك والمستثمرين، فعلى سبيل المثال، إبان الحرب الروسية، فقد كان يطلق على البنك المركزي «الصليب الأحمر للبورصة". لكن في حال ان الدولة ليست على ذلك المثال فان ذلك بسهولة سيؤدي إلى فقدان ثقة المستثمرين، كما حدث مع الأرجنتين في أزمة الديون والمصارف وقد تكررت هذه القصة نفسها بالنظر لموجز لتاريخ عملة اليورو.
فاندفاع المال بغزارة في دول اطراف أوروبا، تسبب بحالة من الازدهار المصرفي نتج عنها فقاعات الإسكان. تلته حالة اعادة رسملة البنوك، ونتج عن ذلك احد أهم التداعيات وهي هو ربط الحزام بالنسبة للبنوك الايرلندية والاسبانية.
والشق الثالث هو الأكثر إثارة للقلق: احتمالات تضارب أسعار الصرف الثابتة وحرية حركة رؤوس الأموال في ظل الديموقراطية. فبعد خطة داوز عام 1924 استطاعت المانيا العودة للانضمام إلى معيار الذهب بعد الحرب العالمية الأولى وذلك بشطب كمية كبيرة من الديون المستحقة عليها من اجل تعزيز ثقة المستثمرين، وترتب على ذلك فترة من الكساد ساهمت في صعود النازيين. كما غادرت بريطانيا معيار الذهب عام 1931، منذرة بنهاية معيار الذهب، لان التقشف الذي اصبح مطلوبا لا يطاق.
وبعد سرد كل ذلك فان احتمالات حدوث ردود أفعال عنيفة بالنسبة للمتطلبات الاقتصادية والمالية للاتحاد النقدي الأوروبي اصبح امرا واضحا. على الرغم من أن سكان جنوب اوروبا لا يزالون يرغبون في الحفاظ على اليورو، ليس لأسباب سوى ان تكلفة الخروج من اليورو ستكون أقسى من ترك معيار الذهب قديما، فخيبة الأمل لديهم تزداد. في حين ان سكان دول شمال اوروبا غير سعداء لما تقوم به المعارضة الشعبية من وضع قيود لخطة انقاذ منطقة اليورو من اجل الحفاظ على اليورو.
لا شيء من هذا يعني ان هناك انفجارا وشيكا فيمكن لهذه الضغوط السياسية ان تترك على نار باردة لمدة طويلة قبل أن تنفجر. فالركود في منطقة اليورو يجب أن ينتهي عند نقطة ما.. ولكن إذا تمكن الأوروبيون من تأمين استمرار العملة الموحدة لأجل طويل، فان الأوروبيين بذلك قد يغيرون التاريخ.