Note: English translation is not 100% accurate
من سيدة البير 1975 إلى سيدة الجبل 2013: كيف تحول المسيحيون؟
5 أغسطس 2013
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
بصرف النظر عن القدرة التمثيلية لمجموعة الشخصيات المسيحية التي اجتمعت في 30 الشهر الماضي في فندق الكسندر بالأشرفية في بيروت، تحت اسم «لقاء سيدة الجبل» لا يستطيع احد ان يتنكر لمكانة هؤلاء عند الرأي العام المسيحي في لبنان، خصوصا ان بينهم نخبا من الصف الأول على المستوى الفكري والأكاديمي والنقابي والصحافي، ومن المشهود لهم بسداد الرأي والمقدرة والتجرد، وعدم حضور قياديين من الأحزاب المحورية على الساحة المسيحية، لاسيما من التيار الوطني الحر ومن القوات اللبنانية وحزب الكتائب، أعطى صبغة موضوعية على مقررات اللقاء، ولم ينتقص من مكانته الاستشرافية.
في العام 1975 عقدت القوى المسيحية لقاء «سيدة البير» غلب عليه حضور اقطاب «الجبهة اللبنانية» التي كانت تقود المسيحيين سياسيا وعسكريا في ذروة الانقسام اللبناني، وكان من اهم مقرراته تبني الفكرة الفيدرالية لحل المشكلة اللبنانية، والفيدرالية في حينها كانت تعني المطالبة بالتقسيم، لأن البلاد كانت منشطرة بين يسار يغلب عليه الطابع الإسلامي، ويمين يغلب عليه الطابع المسيحي، وبالتالي ساهمت مقررات «سيدة البير» في توتير الأوضاع وتفاقمها واستمرت الحرب الأهلية ما يناهز الـ 15 عاما، وانتهت باتفاق وقع في مدينة الطائف السعودية، برعاية عربية ودولية، وأعطت التسوية للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد مكانة متقدمة في تنفيذ بنود الاتفاق، وهو ذاته لعب دور تعطيل هذا الاتفاق فيما بعد، من خلال انتقائية قاسية في اولويات التطبيق، وعلى وجه التحديد موضوع تأخير انسحاب القوات السورية.
في لقاء سيدة الجبل قبل أيام كان الوضع مختلفا تماما، فالحضور كان نخبويا، ومجمله من الشخصيات المستقلة، ولو كان بعضها ينتمي الى صفوف محور 14 آذار اما مقررات اللقاء فتختلف شكليا وفي الجوهر عما صدر عن لقاء 1975، ومهما كان الاختلاف مع بعض شخصيات اللقاء، لا يمكن إلا الاعتراف لهذه الشخصيات بالقدرة على التحليل والتبصر لمواجهة مستقبل ملبد بالغيوم الداكنة التي استولدتها تقلبات الربيع العربي، وعواصف الربيع احيانا تستقدم السيول والانجرافات، حتى لو كانت حرارتها معتدلة.
لعل أهم مقررات اجتماع فندق الكسندر، او ما يسمى «لقاء سيدة الجبل» انه اعاد التذكير بمرحلة النهضة العربية، حيث كان للمسيحيين دور مهم بينما كان لقاء سيدة البير عام 1975 قد تجاهل هذا الدور الريادي، وغلبت عليه سمة الانغلاق، وفاضت توصياته ـ السرية في حينها ـ بتجاهل واضح للعروبة الجامعة، ولا تبرر التجاوزات الفلسطينية آنذاك الانحرافة التي حصلت، وكانت كلفتها غالية على لبنان، وعلى المسيحيين على وجه الخصوص.
ومؤتمر «لقاء سيدة الجبل» هذا العام حمل مجموعة من المضامين التي تستحق التوقف عندها، وصياغتها التوصيات جاءت بلغة واضحة، فيها نبرة وحدوية، بعيدة عن المقاربات التخويفية، وليس فيها انحياز محوري، رغم تناولها موضوع سلاح حزب الله وارتباطاته الايرانية بشيء من الوضوح، كي لا نقول بشيء من القساوة.
ودعوة الحاضرين لإنشاء كنيسة عربية موحدة للمسيحيين العرب، تنطوي على تعصب طائفي، لكنها لا تخفي نوايا تفتيتية ابدا، ولها وجه إيجابي لأنها تذكر بالهوية القومية الموحدة للمسيحيين العرب.
ما هي أهم مفاصل توصيات «لقاء سيدة الجبل» وما هي اهميتها في هذا التوقيت بالذات؟
اولا: التأكيد على العيش المشترك مع المسلمين ضمن اطار الدولة الوطنية وقوانينها، وتغليب سمة المواطنة بعيدا عن التصنيفات الطائفية والمذهبية للناس.
ثانيا: اعلاء شأن مؤسسات الدولة الحاضنة، عن طريق تعزيز القضاء واستقلاليته، وحصر امتلاك القوة العسكرية بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، ونبذ كل الدعوات الى الحمايات الذاتية، تحت شعارات طائفية او مذهبية تقف خلفها مرجعيات اقليمية لا تمت الى العروبة بصلة.
ثالثا: ان تشبيه الحاضرين الأوضاع في لبنان حاليا بما كان عليه الأمر عام 1975، اي قبل اندلاع الحرب الأهلية ـ له أهميته في هذا التوقيت بالذات، حيث يمر لبنان بأصعب الظروف، ويقع قاب قوسين او ادنى من الفوضى، ودعوة اللقاء الى ضرورة التعاون لتجنيب البلاد حربا جديدة، تقع في مكانها الصائب، وإن حصلت الحرب بين المسلمين حاليا، إلا انها لن تستمر بينهم فقط، بل ستمتد الى كل لبنان، وستلغى الفكرة اللبنانية برمتها، لحساب معادلات مذهبية جديدة.
بين مقررات سيدة البير عام 1975 ومقررات سيدة الجبل 2013 تحولات واسعة في الشكل وفي المضمون، رغم قساوة الظروف وصعوبة المرحلة.