Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
هل تتغير إستراتيجية أميركا في الشرق الأوسط؟
13 أغسطس 2013
المصدر : الأنباء
في الأسابيع الأخيرة، دعمت واشنطن عودة العسكر الى السياسة في مصر، وقررت تسليح الثوار السوريين، وأعلنت إعادة إطلاق محادثات السلام الفلسطينية ـ الإسرائيلية، ومدت يدها إلى الرئيس الإيراني الجديد. هل تعد هذه التطورات تغييرا مهما في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، أم هي مجرد ردود فعل متفرقة إزاء الأحداث الجارية أم تعبير عن حيوية وزير خارجية جديد؟ كيف نفهم هذه السياسات في إطار السياسة الخارجية الأميركية الأشمل؟
الواقع أنه لايزال من غير الواضح ما إذا كان أوباما قد وضع استراتيجية متكاملة وجديدة إزاء الشرق الأوسط منذ توليه الرئاسة قبل خمس سنوات. لقد أراد أن يكون نقيض بوش في كثير من النواحي: فحيث تدخل بوش، سعى أوباما إلى سحب القوات الأميركية، وحيث واجه بوش العالم الإسلامي، سعى أوباما إلى إعادة بناء العلاقات معه، وحيث تجاهل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، أدرج أوباما هذا الصراع ضمن أولوياته منذ اليوم الأول لتوليه السلطة، وحيث حض بوش على الدمقرطة حتى من خلال السلاح، خفف أوباما هذا الخطاب ولم ينخرط في موضوع الدمقرطة إلا بعد اندلاع الانتفاضات العربية في شتاء 2010 ـ 2011، بيد أن أوباما طبق استراتيجيتين عالميتين منذ تولى الرئاسة في العام 2009، مع أن سياسته الخاصة بالشرق الأوسط لاتزال مبهمة. قامت الاستراتيجية الأولى التي اتبعها في العامين الأولين من عهده على إعادة تموضع متعددة الجوانب: أي تقليص الانخراط العسكري حول العالم، وإعادة بناء شراكات الولايات المتحدة مع الدول الأساسية الفاعلة، ونقل الأعباء إلى الشركاء العالميين والمؤسسات المتعددة الأطراف.
في العام 2010، انتقل أوباما إلى استراتيجية جديدة تراجع فيها عن أوهام التعاون العالمي العام وركز على التفاعل وموازنة القوة، فأضحت سياسته تقوم على طمأنة الحلفاء والضغط على الخصوم، وتجلى ذلك في الاستدارة نحو آسيا لاحتواء الصين، وفي اعتماد خطاب ذي نبرة أعلى تجاه روسيا، والانخراط مجددا مع الحلفاء في أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا.
لم يجد «الربيع العربي» متسعا مناسبا له في أي من استراتيجيات أوباما. فقد رأى هذا الأخير في تدخل الولايات المتحدة المفرط في الشرق الأوسط خلال عهد بوش الابن انحرافا كبيرا ومخطئا عن المسار الاستراتيجي المطلوب. لذلك سعى إلى دفع انخراط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى حدوده الدنيا، وركز مجددا على ما اعتبره مصالح استراتيجية أميركية أكثر أهمية، مثل التحديات الأميركية الداخلية، وصعود الصين، والاقتصاد العالمي، ومواجهة الانتشار النووي.
والحال أن أوباما اتخذ، منذ اندلاع الانتفاضات العربية، الخيارات الأقل تكلفة. فعمد إلى تشجيع جيشي تونس ومصر لإبعاد حاكمي البلدين بعد اندلاع الثورات هناك، وعمل مع مجلس التعاون الخليجي للتوسط في اتفاق في اليمن، وقام بـ «القيادة من الخلف» على مضض في ليبيا بعد أن ضغطت فرنسا والمملكة المتحدة من أجل التدخل عسكريا، وأعطت الجامعة العربية ومجلس الأمن موافقتهما على هذا التدخل. أما في سورية، فقاوم أوباما منذ البداية الدعوات المطالبة بأشكال مختلفة من الدعم أو التدخل. وهو لم يوافق على تقديم الدعم المحدود للثوار إلا بعد أن أعقب اتفاق كيري ـ لافروف في مايو 2013 تصعيد شامل لنظام الأسد وحزب الله ضد الثوار. عندئذ قبل أوباما بتقديم الدعم وان بتردد، وذلك فقط بغية التوصل إلى حل سياسي والإبقاء على الانخراط الأميركي في حده الأدنى. فضلا عن ذلك، قبلت واشنطن بحكومتي «الإخوان المسلمين» في مصر وتونس، وسعت إلى التعامل معهما، كما أصبحت تتعامل مع الحقائق الجديدة في مصر عقب التدخل العسكري هناك بعد أن قبلت بها.
أما انفتاح واشنطن على إيران بعد انتخاب الرئيس حسن روحاني، فليس بجديد، إذ سبق أن أبدت واشنطن انفتاحا على الرئيس السابق أحمدي نجاد، وكان هذا الانفتاح وراء صمت أوباما إزاء احتجاجات العام 2009 في إيران. والواقع أن أوباما يعتقد أن الولايات المتحدة وإيران هما رهينتا ماضيهما العدائي، وأنهما يجب ألا تكونا في مسار تصادمي، وأنهما قادرتان على التوصل إلى حل معقول فيما يتعلق بالمسألة النووية وغيرها من المسائل الإقليمية.
أما نجاح هذا الانفتاح أو فشله، فيعتمدان إلى حد كبير على رد القيادة الإيرانية، ولاسيما المرشد الأعلى علي خامنئي.
أما السياسة الخاصة بالصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، فليست بجديدة هي الأخرى، إذ كانت أول عمل مهم قام به أوباما في أول ولاية له. لكن قد تكون للديناميكية الجديدة علاقة كبيرة بطموحات جون كيري السياسية وبالسياسات الخاصة بمعركة الرئاسة الأميركية. لكن اذا نظرنا إلى التجارب الماضية، فمن المرجح ان يستمر الشرق الأوسط في استيلاد المفاجآت غير السارة للولايات المتحدة. فمن المستبعد أن تحقق أي إنجازات كبيرة مع إيران أو في الصراع العربي- الإسرائيلي، كما من المرجح أن تستمر التطورات في كل من مصر وليبيا وتونس وسورية واليمن في دفع الأحداث باتجاه خيارات صعبة. والحقيقة أن جهود وزير خارجية نشط لا يمكن أن تعو ض عن رئيس أميركي لا يزال بعيدا عن الاهتمام الفعلي بشؤون المنطقة. لا شك في ان الولايات المتحدة ستبقى منخرطة في الشرق الأوسط بسبب مصالحها المرتبطة بالنفط وإسرائيل ومحاربة تنظيم «القاعدة»، إلا أن من المستبعد أن يحرك أوباما الرأسمال السياسي الضروري لإحداث أي تغيير كبير في المنطقة. وهكذا، ستبقى السياسة الأميركية في مجملها مجموعة ردود فعل على الأحداث، وستفضل الخيارات الأقل تكلفة على المغامرات الصعبة.