Note: English translation is not 100% accurate
لبنان: انتفاضة باردة في مواجهة حزب الله
18 أغسطس 2013
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
تلوح في أفق الوسط السياسي والشعبي في لبنان مخاوف واسعة من السياق غير الطبيعي، أو الاستثنائي الذي تعيشه الأوضاع اللبنانية، وتعوّم على سطح الأحداث مجموعة من الظواهر التي تحمل إشارات تنطوي على أخطار قد لا تكون عادية، بل وفيها شيء من التهديد الوجودي للكيان اللبناني برمته.
ولعل أهم التحديات التي لم تعد خافية على أحد، هي التهديد بإحداث الفراغ في مؤسسات الدولة، او على الأقل جعلها برمتها في وضعية تصريف الأعمال. وهذا الأمر يفاقم الهشاشة التي تعيشها دوائر الحكم، حيث يشعر بعضها بالعجز عن القيام بمهامه الطبيعية من جراء حالات الاستقواء عليها من قبل قوى فاعلة على الأرض، وخصوصا من حزب الله، والذين يدورون في فلكه الأمني.
القوى السياسية الحريصة على الاستقرار اللبناني، والتي تخاف على مستقبل البلاد ووحدتها، أطلقت صرخة من العيار الثقيل في وجه المعرقلين ـ كي لا نقول في وجه الذين يستهترون بمصير الداخل اللبناني ـ على حساب اهتماماتهم بالحرب الإقليمية التي تدور في سورية، وكان لمواقف بعض هؤلاء صدى استثنائي، لاسيما منهم رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس جبهة النضال الوطني النيابية وليد جنبلاط، إضافة للمواقف اللافتة للبطريرك بشارة الراعي، وشخصيات لقاء سيدة الجبل، ويضاف الى هذه المواقف ما جاء في الخطاب الأخير للرئيس سعد الحريري، الذي أبدى الاستعداد للحوار، بدون شروط لإنقاذ البلاد من الهلاك المؤكد الذي ينتظرها، اذا ما بقيت الدولة بلا حكومة.
مواقف هذه القوى كانت بمثابة الانتفاضة الباردة على تصلب حزب الله، في توجهاته المتشددة حكوميا، وفي نقله لسلاح المقاومة الى خارج الحدود في سورية، حيث أصبح أداة في يد مشروع إقليمي، يستقدم الويلات على لبنان، ويغامر بمستقبل شريحة واسعة من اللبنانيين ينتمون الى الطائفة الشيعية، كما ان هذا السلاح ـ الذي خرج مرتين عن مهامه خلال 4 سنوات ـ أصبح خطرا على التركيبة اللبنانية برمتها، ويدفع مع الوقت الأحزاب الأخرى الى ما يشبه سباقا ساخنا استعدادا لمواجهة دامية قد تقع في المستقبل.
صرخة رئيس الجمهورية في خطاب عيد الجيش وبيت الدين، وتحذيرات رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي بتغيير قواعد اللعبة ردا على الاستهتار والشروط العالية التي تفرض لتشكيل حكومة جديدة، حركت المياه الراكدة. وكانت إشارة سليمان الى ان حكومة الرئيس ميقاتي تشكلت من دون تمثيل كل القوى الفاعلة (في إشارة الى عدم مشاركة قوى 14 آذار)، بمثابة التهديد لحزب الله، بأنه يمكن تشكيل حكومة من دون مشاركته، إذا ما أصر على تمثيل حزبي فاقع لا تتحمله الظروف الراهنة، كما ان الظروف لا تتحمل ثلثا معطلا قد يطيح بالاستقرار في اي لحظة، لاسيما ان الدولة مقبلة على مجموعة من الاستحقاقات التي تحتاج الى توافق، وأهمها استحقاق انتخاب رئيس جديد للجمهورية في الربيع المقبل.
ردود حزب الله على رئيس الجمهورية كانت حازمة، وجاءت على لسان أمين عام الحزب حسن نصرالله الذي حمّل المسؤولية عن عدم مشاركة قوى 14 آذار في حكومة نجيب ميقاتي لتيار المستقبل، وجاء الرد أيضا على لسان رئيس كتلة حزب الله النيابية محمد رعد الذي اعتبر إعلان بعبدا الذي يتمسك به العماد سليمان، بمثابة الحبر على الورق. علما ان أهم ما يتضمنه الإعلان هو تعزيز سياسة النأي بالنفس عن الأحداث السورية.
أما النائب وليد جنبلاط، فقد نال نصيبه من التهديد، وعلى الطريقة ذاتها التي كان يستخدمها النظام السوري إبان وجوده في لبنان. حيث نشرت الصحف المحسوبة على حزب الله رسائل تعتبر ان منطقتي الشوف وعاليه (معقل جنبلاط) ليستا أكبر من القصير السورية، في إشارة واضحة الى إمكانية استهداف مناطق الجبل عسكريا، كما تم استهداف القصير، فيما لو وافق جنبلاط على السير بحكومة من دون حزب الله.
الأوساط المراقبة لما يجري، ترى ان انتفاضة شعبية عارمة تنتظر حزب الله اذا استمر على ذات التعاطي مع مؤسسات الدولة، ومع المواقع الرسمية، ومع القوى السياسية الفاعلة، ولن تنفع تهديداته بضرب الاستقرار بعد اليوم، لأن هذا الاستقرار غير موجود أصلا، بدليل الانفجار الدامي الثاني في الضاحية، وفي ظل التفلت الحاصل في أكثر من منطقة لبنانية، والذي يجر مشكلات مرتبطة موضوعيا بما يجري في سورية، سواء كان في عرسال التي يريد النظام السوري شطبها من المعادلة الجيوديموغرافية، او من خلال خطف الطيار التركي ومساعده في منطقة نفوذ حزب الله، وهي رسالة واضحة ضد الموقف التركي المؤيد للمعارضة السورية، والذي سهل فتح جبهة اللاذقية ضد النظام، أكثر مما هي أداة ضغط لتحرير المخطوفين المظلومين في أعزاز منذ أكثر من عام.
والأوساط المتابعة لتطورات المنطقة ولبنان، ترى: انه اذا لم يتواضع حزب الله، ويتخل عن بعض طموحاته الاستراتيجية، والهادفة الى بسط نفوذه أكثر على مفاصل الحياة اللبنانية، وكذلك التراجع عن توجهاته الإقليمية التي تتجاوز حجمه، فهو سيواجه هذه المرة معارضة شديدة، قد تتطور الى مواجهة، وكل المعطيات تشير الى انها لن تكون في صالحه.