Note: English translation is not 100% accurate
تحليل أخباري
«مبادرة بري» .. مساحة للسجال السياسي في الوقت الضائع
18 سبتمبر 2013
المصدر : الأنباء
عادت «خارطة طريق الرئيس بري» التي أطلقها قبل ثلاثة أسابيع من أجل إعادة إحياء الحوار بين الفرقاء لتحرك الجمود السياسي على الساحة المحلية، ولا يريد الرئيس بري أن يكون مصير مبادرته كمصير المبادرات الأخرى، ولهذا شكل اللجنة الثلاثية (ياسين جابر، ميشال موسى وعلي بزي) التي تواصل جولتها على الكتل السياسية لشرح هذه المبادرة و«تسويقها» وتوضيح نقاط مثيرة للجدل فيها.
وفي حين لوحظ أن الرئيس المكلف تمام سلام اكتفى بالتعليق على جولة اللجنة بالقول «لقد تبلغت»، مؤكدا تقديره للرئيس بري ولافتا إلى أن هذه المبادرة ليست الأولى من نوعها وهو يسعى دائما إلى الحوار، ولكن بالنسبة إلى تشكيل الحكومة فهو لايزال على موقفه أن هذه مهمة الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية، يتريث الرئيس نجيب ميقاتي في تحديد موعد إطلاق مبادرته مع أنها أصبحت جاهزة، وتقول مصادر إن هناك جملة من الأسباب دفعته إلى تأجيل الإعلان أبرزها:
٭ حرصه على ألا تفسر مبادرته وكأنها منافسة ومزاحمة مباشرة لمبادرة بري.
٭ حرصه على عدم تفسير مبادرته بأنها تهدف إلى تعقيد مهمة الرئيس المكلف، فيما هو يريد تسهيلها وينتظر إنهاء تصريف الأعمال بفارغ الصبر.
٭ التوقيت الحالي غير مناسب في ظل عدم جلاء الظروف في المنطقة وغموض التوجهات الدولية والإقليمية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط.
أما مصادر 14 آذار فتعاطت مع المبادرة بكثير من التحفظ والاعتراض مسجلة الملاحظات التالية:
٭ إن مشكلة استمرار الأزمة في لبنان وتعذر الوصول إلى تفاهم يؤمن الخروج منها لا تكمن في غياب المبادرات خصوصا أن مبادرة الرئيس الحريري كانت قوبلت برفض من معظم مكونات 8 آذار، وإنما في عدم نضوج الظروف السياسية وتحديدا الإقليمية للانتقال بلبنان إلى بر الأمان، وتذكر مصادر في تيار المستقبل أن الرئيس سعد الحريري سبق له أن أطلق مبادرة سياسية منذ أشهر، كانت مدروسة بعناية وتتضمن أفكارا جديدة خلاقة، ولكنها قوبلت برفض وسلبية من قوى 8 آذار وجرى تجاهلها بشكل تام.
٭ الاختلاف يتمحور حول الإطار العام للحكومة قبل الدخول في البحث في شكلها والسبب يعود إلى انقلاب حزب الله على إعلان بعبدا، الذي اعتبره النائب محمد رعد أنه ولد ميتا، (في مقابل تأكيد الوفد المكلف من بري أن خريطة الطريق الصادرة عنه هي في صلب هذا الإعلان وتلتقي معه في أكثر من نقطة).
٭ المبادرة تتضمن بنودا تشكل خرقا للدستور باعتبارها من صلاحيات السلطة التنفيذية ومنها على سبيل المثال الاقتراح الوارد فيها بتطويع 5000 عسكري لمصلحة الجيش اللبناني، وثمة خشية من أن تتحول هيئة الحوار انطلاقا من «خريطة الطريق» إلى سلطة عليا تذوب فيها سلطة مجلس الوزراء ويعطى لها قرار الفصل في جميع الأمور العالقة.
٭ طاولة الحوار مختصة حصرا بمناقشة ملف السلاح وما ينبثق عنه، وبالتالي فهي غير معنية بمسألة تشكيل الحكومة، لأنها ليست مؤسسة دستورية صاحبة اختصاص أو صلاحيات على هذا الصعيد، ومن غير الجائز الخلط بينها وبين المؤسسات الدستورية.
٭ لا مبادرة فعلية في كلام بري، لأن هناك سلسلة أفكار تمس صلاحيات رئيس الجمهورية والرئيس المكلف وبصلاحيات مجلس الوزراء ومجلس النواب، وصولا إلى التعدي على القرار 1701، والمبادرة هي بمثابة «مناورة».
وتقول مصادر في «المستقبل» إن هناك في 8 آذار من يصور خلافا أو تباينا بين الرئيسين الحريري والسنيورة حول مبادرة الرئيس بري، والقول إن السنيورة يرفض المبادرة بالمطلق فيما الحريري يؤيدها مع تحفظ على بعض بنودها.
وهذا التوصيف ليس في محله، لأن موقف تيار المستقبل من المبادرة موحد وواضح في التحفظ على المبادرة لتضمنها بنودا «تصادر» صلاحيات الحكومة ورئيسها وفي تقديم الحكومة «تشكيلها» على الحوار الذي على رأس جدول أعماله بند البحث في تشكيل الحكومة وبيانها الوزاري.
وحسب هذه المصادر فإن قيادة المستقبل باتت موافقة على قيام حكومة سياسية جامعة تضم حزب الله، ولكن على قاعدة التزام الحزب بإعلان بعبدا والتخلي عن نظرية الثلث المعطل.
الرئيس بري يشير إلى أن «مخاطر الفراغ المفخخ» هي التي دفعته إلى إطلاق مبادرته التي «تشكل المنفذ الوحيد إلى الحوار والحكومة في ظل غياب أي بدائل أخرى»، ويقول إنه «لم يعد من الجائز البقاء من دون حكومة»، لافتا الانتباه إلى أنه «حتى جمعية المكفوفين تحتاج إلى مجلس إدارة، فكيف بوطن يمر في هذا الظرف الدقيق والمصيري».
ويستغرب بري (في تصريحات خاصة لـ «السفير») كيف أن تيار المستقبل كان يرفض معاودة الحوار قبل استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، والآن يرفض استئناف الحوار قبل تشكيل الحكومة، مضيفا: «لقد ضيعونا حتى صح عليهم القول: احترنا يا قرعة وين بدنا نبوسك»؟
ويستهجن بري تلطي البعض خلف «إعلان بعبدا» لعرقلة تشكيل الحكومة، مشيرا إلى أن هناك من يحمله أكثر مما يحتمل، وما يفوق طاقته بأشواط، ويشدد على أن هذا «الإعلان» لم يأت على ذكر المقاومة، «وقد أصاب رئيس الجمهورية بقوله إنني أوجزت النقاش حوله خلال إحدى الجلسات في قصر بعبدا، وانطلاقا من ذلك أجزم بأن الإعلان (بعبدا) ليس بديلا عن معادلة الجيش والشعب والمقاومة، لأنه ببساطة لم يناقش هذا الموضوع أصلا ولم يتطرق إليه، والدليل على ذلك أن الرئيس ميشال سليمان طرح في الجلسة اللاحقة نظرته إلى الإستراتيجية الدفاعية، وقد اتفقنا في حينه على استكمال النقاش حولها فيما بعد».
ويشير بري إلى أن «الجميع يعلمون بأن فريقا واسعا من اللبنانيين يصر على معادلة الجيش والشعب والمقاومة بينما يعارضها فريق آخر، ما يعني أنها تشكل محكا مفصليا للحكومة وبيانها الوزاري، فأين المشكلة في أن نتحاور في شأنها مسبقا حتى نسهل عملية التأليف ونحصنها؟».
وإذ يعتبر رئيس المجلس أنه يفترض بـ «إعلان بعبدا» أن يسهل الحوار ولا يعقده، يلفت الانتباه إلى أن هناك من يحاول أن يستخدم هذا «الإعلان» كـ «حصان طروادة» لضرب معادلة الجيش والشعب والمقاومة، وتكبيل طاولة الحوار والبيان الوزاري المفترض بقيود مسبقة.
ويعتبر قريبون من الرئيس بري أن البعض من صقور تيار المستقبل يرفضون مبادرته ليس بسبب مضمونها وبنود واردة فيها وإنما لسبب آخر يتعلق بالموقف من حزب الله، وحيث إن هذا الفريق لا يريد الجلوس إلى طاولة واحدة مع حزب الله.
وفي الواقع تتباين الآراء داخل تيار المستقبل، وإلى حد بين أركان قوى 14 آذار، من ضمن موقف عام موحد بين قائل بفتح باب الحوار مع حزب الله في سبيل الوصول إلى تفاهمات ضرورية لتأليف الحكومة، وقائل متحفظ عن هذا الحوار خشية أن يبدو أنه يشرع انخراطه في الحرب السورية ويعززه بغطاء لبناني، وقد يفسر الموقف على أنه تغاض سني على الأقل.
أما حزب الله فإنه يرفض الانسحاب من سورية وينظر إلى دعمه نظام الأسد على أنه استحقاق مصيري يرتبط بمستقبله ووجوده في صلب المعادلة الإقليمية، دونما الالتفات بالضرورة إلى المسألة الحكومية، ليست عنده سوى تفصيل ثانوي وهامشي في نزاع إقليمي يختلط البعد العقيدي والديني فيه بالبعد السياسي، وهو أبلغ المعنيين بأن لا حكومة جديدة ليس طرفا أصيلا فيها، ولا حكومة جديدة تتجاهل سلاحه أو تجرده من شرعيته، ولا حكومة جديدة لا تضع نصاب التعطيل بين يديه.