Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
مستقبل «جنيف 2».. ودوافع حتمية الحل السياسي
4 أكتوبر 2013
المصدر : القاهرة - أ.ش.أ
تشهد الأزمة السياسية في سورية الآن تحولا نوعيا مهما، إذ تحول الحديث عن الضربة العسكرية الأميركية إلى الاستعدادات والتحضيرات لعقد مؤتمر «جنيف 2» والمقرر عقده في منتصف نوفمبر المقبل، والذي يضع الأزمة في سياق الحل السياسي من جديد، فمنذ اندلاع الصراع في سورية، اعتمدت القوى الكبرى في العالم مبدأ الحل السياسي للأزمة، متمثلا في جلوس جميع القوى المتصارعة إلى طاولة المفاوضات في جنيف.
هذا المبدأ لم يكن مقبولا تماما لدى المعارضة والحكومة على حد سواء، إذ ان كلا منهما كان يأمل في حسم الصراع عسكريا على الأرض، لكن ذلك لم يحدث، وبدأت ضغوط القوى الكبرى تتزايد، حتى بات التوجه إلى جنيف أمرا لا مفر منه للأطراف المتصارعة.
دوافع حتمية الحل السياسي: وفي واقع الأمر، فإن ثمة دوافع جديدة تدفع نحو حتمية الحل السياسي، وذلك بالنظر إلى عدة معطيات جديدة وهي كالتالي:
أولا: شيوع حالة من الارتياح الدولي على خلفية الجو السياسي الجديد الناتج عن التوصل للقرار رقم 2118 في مجلس الأمن، والذي صدر بالإجماع ويدين استخدام الأسلحة الكيماوية في سورية ويطالبها بنزعها وتدميرها، لكنه لا يهدد بعمل عقابي تلقائي ضد حكومة الرئيس بشار الأسد إذا لم تمتثل للقرار، بل يشير إلى أنه في حال الإخفاق في الالتزام ببنود التخلص من الأسلحة الكيماوية فإن المجلس سيتوجه لاتخاذ إجراءات بموجب البند السابع.
وبموجب القرار الجديد سيتعين على مجلس الأمن في حال عدم التزام النظام السوري ببنود الاتفاق التوافق من جديد على اتخاذ تلك الإجراءات، وليس الانتقال بشكل تلقائي للبند السابع.
واعتمد القرار الذي جاء بعد جهود ديبلوماسية مكثفة استمرت أسابيع على اتفاق بين روسيا والولايات المتحدة تم التوصل إليه بجنيف في وقت سابق من الشهر الجاري، ويمثل هذا التصويت اختراقا ديبلوماسيا كبيرا في كيفية تعاطي مجلس الأمن مع الأزمة السورية، لكونه أول قرار يتبناه المجلس منذ بدئها في مارس 2011. وكانت موسكو وبكين أعاقتا ثلاث مرات إصدار قرار في المجلس بشأن سورية باستخدامهما حقهما في النقض (الفيتو).
كما أن الموقف الروسي الآن أكثر حرصا على المضي قدما في الملف السوري بعد نجاحه في تحويل إدارة الملف إلى طاولة المفاوضات من جديد، إذ يؤكد وزير الخارجية الروسي لافروف على أهمية إشراك المعارضة السورية المسلحة «المعتدلة» في مؤتمر «جنيف 2»، مشددا على أنه لا مشكلة في حضور نظام الأسد في المؤتمر، لكنه شكك في حضور المعارضة السورية، في إشارة إلى عدم مشاركة تنظيم «القاعدة» أو «جبهة النصرة» و«الجيش الحر» وغيرها من «التنظيمات الإرهابية»، في مؤتمر «جنيف 2».
ثانيا: تأكيد الدول المشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة في دورتها الـ 68 على ضرورة الحل السياسي للأزمة من خلال «جنيف2»، إذ أكدت سلطنة عمان على ضرورة بدء حوار بين الحكومة والمعارضة السورية، مشددة على أهمية عقد مؤتمر «جنيف 2» لهذا الغرض بما يمكن من وقف إطلاق النار ويقود إلى سلطة انتقالية تتغلب على المشاكل المترتبة عن الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات، والتي كان حصيلتها مقتل أكثر من مائة ألف سوري وجرح مئات الآلاف الآخرين وتدمير الكثير من المدن والقرى والبنية الأساسية السورية، وهجرة عدة ملايين داخل وخارج سورية، داعية المجتمع الدولي إلى القيام بدور في المسألة الإنسانية ومساعدة اللاجئين السوريين.
السعودية والأسلحة الكيماوية: ومن ناحية أخرى، ألغت المملكة العربية السعودية للمرة الأولى إلقاء كلمتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مبررة ذلك بعدم رضاها عن تقرير لجنة التحقيق في استخدام الأسلحة الكيماوية لأنه لم يحدد الجهة المسؤولة عن استخدام هذه الأسلحة، وأنها «لا تريد أن تكون ضد الإجماع الدولي، لكنها في الوقت نفسه لا تريد التصفيق لما يجري الذي لا يرقى إلى ما كانت تتطلع إليه في مجلس الأمن والأمم المتحدة ما عكس امتعاضها من كيفية تناول الأزمة السورية في الأمم المتحدة». ثالثا: التعويل على التحول في موقف إيران الراغبة في تطبيع علاقاتها الدولية، وذلك في إطار الدوافع المشتركة الأميركية والإيرانية نحو تدشين عهد جديد من الانفتاح البناء بين البلدين، بما يلبي طموحات ويحقق استراتيجيات كل طرف، ولعل أول مباحثات هاتفية بين الرئيسين أوباما وروحاني قد أتت ثمارها، إذ أرجأ مجلس الشيوخ الأميركي فرض عقوبات جديدة على طهران، فقد كان من المقرر أن تنظر لجنة البنوك في مجلس الشيوخ خلال سبتمبر المنصرم في مجموعة من العقوبات مررها مجلس النواب الأميركي في يوليو الماضي، لكنها لن تفعل في الوقت الراهن إلا بعد بضعة أسابيع على الأقل، ويقر المشرعون في الولايات المتحدة أن فكرة إرجاء فرض عقوبات جديدة جاءت متعمدة بغية توفير مناخ أفضل في محادثات جنيف.
رابعا: الموقف الروسي الجديد، والقناعة التي توصل إليها الطرفان «النظام والمعارضة» من استحالة الحسم العسكري لهذا الطرف أو ذاك، إذ اعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن «القوى العالمية على المسار الصحيح» في خطة إزالة الأسلحة الكيماوية السورية وأنها تستطيع تجنب التدخل العسكري بالصراع إذا تعاونت معا، مؤكدا أن خطة إزالة الكيماوي السوري أنعشت جهود عقد مؤتمر «جنيف 2».
وفي نفس السياق، أكد وزير الخارجية الروسي أن بلاده تعول على عقد المؤتمر لحل الأزمة في سورية بمشاركة جميع أطياف المجتمع السوري، وأنها تتابع موضوع دعوة المعارضة لحضور المؤتمر، مشيرا إلى أن المسألة الأساسية الآن هي «عدم هدر الوقت ودعوة المعارضة المعتدلة والعقلانية».
خامسا: ظهور دور قوي لفرنسا من أجل إنجاح عقد المؤتمر الدولي لحل الأزمة السورية، إذ ترغب فرنسا في توسيع الحلقة المشاركة في مؤتمر «جنيف 2»، وترى أنه لا بد من مشاركة ما يسمى «مجموعة الخمس» (أي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن) زائد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وهي المجموعة التي التأمت في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة والذي كان مقررا في البدء ثلاثيا، أي بحضور وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي لافروف، وبان كي مون، تحول إلى خماسي بناء على طلب فرنسي صريح، وهو ما قبله الطرفان الروسي والأميركي، كما تشدد باريس على الحاجة إلى الحوار مع الأطراف الأخرى المعنية، وعلى رأسها البلدان الخليجية والعربية ومجموعة الـ 11 الضيقة من «أصدقاء الشعب السوري» وأيضا الصيغة الموسعة لهذه المجموعة.
عراقيل في الطريق: ورغم الآمال العريضة التي ينتظرها العالم من نتائج مؤتمر «جنيف2»، إلا أن التحدي الحقيقي هو عدم قدرة هذا المؤتمر على وضع حل نهائي وسريع للأزمة، بسبب مماطلات وتسويف النظام السوري على التنفيذ من جهة، وتفتت وعدم قدرة المعارضة على صياغة مطالب موحدة ومتجانسة تجبر الأطراف المشاركة على تقديرها، والتخوف الحقيقي قد يكون في تشرذم المعارضة وليس في تسويف النظام.
فضلا عن أن تباين مصالح القوى الدولية قد يؤخر التوصل السريع والنهائي لحل الأزمة، ومن المنتظر أن يكون هناك «جنيف3» مرة أخرى، بعد دخول فرنسا على خط الأزمة بقوة.