Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
مأزق الحكومة أمام ثلاث استحالات
14 ديسمبر 2013
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
يبدو الانطباق السياسي الذي يحيط بالوضع الحكومي في لبنان واسعا الى حد كبير، وتترنح المقترحات التي تهدف الى الخروج من الازمة امام شروط وشروط مضادة، كل منها قادر على تعطيل اي مبادرة او الابقاء على انشداد كوابح العربة.
لقد عاش لبنان في السابق صعوبات سياسية وأمنية ودستورية خلقت فوضى، وأحدثت انقسامات واسعة، إلا ان المأزق الذي تتخبط به البلاد اليوم فيه شيء من الفرادة، وقد يكون له تداعيات غير عادية، بالرغم من تهيب الجميع من خطورة الموقف، والتحسب لأي انزلاقات قد توصل الى الهاوية، او تؤدي الى تفلت الأوضاع عن سياقها غير المعتاد.
الوضع الحكومي غير المسبوق في تاريخ لبنان ـ لناحية تجاوز كل الارقام القياسية لرئيس مكلف تشكيل حكومة، وفي فترة تصريف الاعمال لحكومة مستقيلة يواجه مصاعب من الاوزان الثقيلة وهو امام استحالات ثلاث، لا يمكن له تجاوز اي منها، او القفز فوقها.
الاستحالة الأولى: هي عدم امكانية تعويم الحكومة الميقاتية، لأسباب دستورية، قبل ان تكون لأسباب سياسية فلم يسبق لرئيس الجمهورية ان سحب مرسوم قبول استقالة الحكومة، ولا مرسوم تكليفها بتصريف الاعمال، ووراء ذلك اذا ما فعل محاذير دستورية واسعة، لاسيما لناحية الجدال الذي سيقوم حول حاجة هذه الحكومة لثقة جديدة من مجلس النواب، هذا اذا ما قبلت القوى التي تتشكل منها هذه الحكومة بمبدأ التعويم القانوني لعملها، وذلك امر مستبعد.
الاستحالة الثانية: هي في عدم القدرة على تشكيل حكومة جديدة من دون مشاركة الطرفين الاساسيين المتخاصمين، عنيت فريقي 8 و14 آذار، لعدم تمكن اي فريق من تشكيل الحكومة بمفرده، لأنه لا يملك اكثرية نيابية، ولتعهد رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط بعدم السير بحكومة اكثرية، او اقصائية لأحد الاطراف، وكتلة جنبلاط هي التي ترجح الكفة في ظل الاصطفافات السياسية الحالية، كما ان هناك استحالة موضوعية لتشكيل حكومة اكثرية تستبعد احد الاطراف الاساسية، نظرا لخطورة الاوضاع السائدة والتي قد تنذر بتوترات امنية واسعة والحرب الاهلية الداخلية هي المرشح الابرز للحلول مكان مقاربة المهادنة الحالية، خصوصا ان هذه الحرب كان يمكن ان تقع في اي لحظة، لو كان جنبلاط مازال في صفوف قوى الرابع عشر من آذار.
اما الاستحالة الثالثة: فهي في عدم جواز ابقاء الوضع على ما هو عليه حاليا، وتشكيل حكومة جديدة ضرورة دستورية، قبل ان يكون ضرورة سياسية، لأن الحكومة هي التي ستتولى سلطات رئيس الجمهورية، فيما لو بقي الانقسام السياسي على ما هو عليه الآن في البلاد، وبالتالي تعذر انتخاب رئيس جمهورية جديد في الربيع القادم ـ والانتخاب يحتاج الى حضور ثلثي اعضاء مجلس النواب، وهذا ما لا قدرة لطرف واحد على تأمينه ـ وحكومة تصريف الاعمال لا يمكن لها ان تتسلم صلاحية رئيس الجمهورية، وفقا للبديهيات الدستورية، واستنادا الى تأكيد رئيس مجلس النواب لهذه الواقعة، وكلمة رئيس مجلس النواب في هذه الحالة لها آثارها الدستورية، كونها تؤشر لرضى ـ او رفض ـ تشريعي لمندرجات تبادل السلطة، ولها رمزيتها فليس صدفة دستورية اطلاع رئيس مجلس النواب على نتائج الاستشارات النيابية عند تكليف رئيس الحكومة، او التقاط صورة الحكومة الجديدة بحضوره، بل هي شكليات بروتوكولية لها دلائل قانونية.
هذه الاستحالات المطروحة امام المأزق الحكومي تفرض على القوى السياسية تهيب الموقف وفقا لتعبير مرجع ديني كبير، وبالتالي الدخول بجدية اكبر الى دائرة التفتيش عن الحل الملزم، والذي دونه سيكون الدخول القسري الى مستنقع لعبة الموت التي جربها الآخرون، كما نحن جربناها في الماضي، ولم تؤدي الى اي حلول.
اما الاوساط المسيحية المقربة من المرجعيات العليا، فتؤكد ان صورة الوضع الحالي غير مقبولة نهائيا، والتهديد الضمني بعدم القدرة على انتخاب رئيس جديد للجمهورية، هو تهديد وجودي بالنسبة للمسيحيين لا يمكن السكوت عنه، والاخفاقات المسيحية الكبرى التي حدثت في العراق وسورية، لا يمكن التسليم بأن تصل الى لبنان الذي يعتبر الملجأ الاخير لمسيحيي الشرق الذين يتعرضون لاضطهاد وتهجير، لم يسبق ان عاشوه في الماضي.
الأوساط ذاتها تدعو الافرقاء جميعا لضرورة الجلوس على طاولة التلاقي على الضرورات، وترك نقاط الخلاف الواسعة بعيدا عن الاستحقاقات المصيرية، لأن هذه الخلافات لن تنتهي في القريب المنظور، وعدم معالجة الاستحقاقات الداهمة يهدد الكيان برمته.
اما الفراغ فلا يمكن الاستكانة له طويلا، لأنه سيملأ حكما بعدوى الفوضى التي تحيط بلبنان من كل حدب وصوب، وعندها تكون معادلة الاتفاق الخاسر، حكما افضل من نتائج الفوضى، او من نتائج الحرب الرابحة لأي من الفريقين.