Note: English translation is not 100% accurate
هبة من دون شروط
5 يناير 2014
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
في 19 سبتمبر 2012 أقر مجلس الوزراء اللبناني خطة تأهيل وتسليح الجيش، وجاء في القرار ان الحكومة ستغطي مبلغ 1.6 مليار دولار من الخطة البالغة 4.5 مليارات، وليس بمقدورها تأمين حصتها من المبلغ دفعة واحدة، بل بعدد من الدفعات، نظرا للصعوبات التي تعاني منها الخزينة اللبنانية، وهي لن تستدين لهذا الغرض خوفا من تفاقم العجز.
قبل ذلك كان موضوع تأهيل الجيش اللبناني بندا أساسيا على جدول أعمال الحكومات المتعاقبة منذ العام 1990، وكان الأمر محل إجماع من القوى السياسية المختلفة (أقله في العلن) على اعتبار ان الجيش هو الملاذ الأخير للحفاظ على هيبة الدولة، وعليه تلقى أعباء كبيرة في مواجهة الاضطرابات الداخلية، ولمواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر من الجنوب، لاسيما بعد التحرير في مايو من العام 2000.
وقام الجيش اللبناني بعد إعادة الوحدة إليه في أعقاب الحرب الأهلية بعدة مهام كبيرة، ومن الوزن الثقيل، من دون ان يكون عنده معدات ثقيلة، ورغم تقييد حركته أيام الوصاية العسكرية السورية قبل الانسحاب العام 2005. فقد عمل الجيش على سحب السلاح الفلسطيني المتفلت في شرق صيدا العام 1992، وقضى على معسكرات المتشددين في جرود الضنية، وساهم في التصدي للعدوان الإسرائيلي في العام 1993 وفي ابريل 1996، وفي يوليو 2006، وخاض معارك نهر البارد ضد مجموعات شاكر العبسي القادمة من سورية في العام 2008، وهو ينفذ مع قوات «اليونيفل» الخطة التي نص عليها القرار 1701 جنوب الليطاني، ويقوم بمهمة حفظ الأمن الداخلي طيلة الأعوام الماضية، رغم بعض الإخفاقات التي اعترت مسيرته في مايو 2008.
وقد تلقى الجيش مساعدات من جهات مختلفة، ولم يرفض اي عروضات، حتى التي جاءت من ايران ـ ولكنها لم تصل ـ وفي واقع الحال فإن المساعدات الأساسية جاءت من الولايات المتحدة الأميركية، ومن بريطانيا، ومن الإمارات العربية المتحدة، وعشر طائرات متطورة من روسيا لم تصل حتى اليوم.
إعلان الملك عبدالله بن عبدالعزيز تقديم هبة بقيمة 3 مليارات دولار لتسليح الجيش اللبناني كانت بمثابة المفاجأة الأكبر نهاية العام، وهي حملت أكثر من رسالة، واحتوت على معان كثيرة في الوقت ذاته، في ظل الأجواء الملبدة التي تعيشها البلاد على وقع الأحداث السورية.
أوساط متابعة لما جرى ترى ان الخطوة السعودية، التي جاءت بالتنسيق مع الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، وبمعرفة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، لم، تكن مشروطة بأي حال من الأحوال. وتوقيتها لا يحمل أى دلائل سوى ان لبنان مهدد بتحديدات كبيرة، لا يمكن لأحد ان يتصدى لها سوى الجيش اللبناني، الذي يتشكل من كل فئات الشعب، وهو يتعاطى بتوازن مع الأحداث الجارية، وليس لقيادته اي أهداف سوى الحفاظ على الاستقرار، وتأمين سلامة اللبنانيين، وحماية مؤسسات الدولة. وان خطة تأهيل وتسليح الجيش ـ التي أمنت السعودية استكمال تمويلها ـ هي قرار صادر عن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي لم تكن المملكة راضية عنها بالمطلق.
وتؤكد الأوساط ذاتها، ان الرئيس ميشال سليمان الذي طلب المساعدة أثناء زيارته الأخيرة الى الرياض، ليس له أهداف سياسية من وراء ذلك، وهو لا يطلب التمديد، ولا التجديد لولايته التي تنتهي في مايو المقبل، والجانب السعودي الذي أقدم على هذه الخطوة الكبيرة لا يحمل مشروعا محددا يقضي بالتمديد للرئيس سليمان، رغم رضى المملكة عن الأداء المتوازن الذي يعتمده رئيس الجمهورية، تحديدا في حرصه على عدم تحويل لبنان الى ممر لإمداد النظام في سورية بعوامل القوة، ورفض ملاحقة المعارضين كما يريد النظام. وترى المملكة ان الرئيس سليمان أعلن رفضه لتدخل حزب الله، ولكنه لا يملك القدرة حاليا على منع الحزب من الذهاب الى هناك، او إلزامه بإعادة النظر بموقفه الذي يستند الى أوامر خارجية، ولأن أي إجراءات يمكن اتخاذها حاليا ضد الحزب، قد تؤدي الى حرب داخلية قاسية.
مؤشرات إيجابية عديدة رافقت القرار السعودي، تمثلت بالترحيب العارم بالخطوة، لاسيما من البطريرك الماروني بشارة الراعي، ومن التيار الوطني الحر، ومن رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط، إضافة الى القوى الأخرى التي تربطها صداقات مع المملكة، وتعاطي الرئيس نبيه بري ـ الذي كان يرغب بزيارة المملكة الشهر الماضي ـ موضوعي ومتوازن، ولم يخرج عنه أي كلام يؤشر الى عدم ارتياحه للخطوة، وهو بالأساس يرى ان حل الأزمة في لبنان يجب ان يمر بتوافق سعودي ـ إيراني. أما حزب الله فلم يصدر عنه اي موقف ضد الخطوة، ولكن الأوساط الإعلامية المقربة منه، شنت حملة شعواء على رئيس الجمهورية، وانتقدت توقيت الخطوة، إلا انن هذا الأمر لا يعتبر مؤشرا حاسما، لكون صداقات بعض الإعلاميين مع «محور الممانعة» لا تمر دائما بالقنوات اللبنانية.
يشكل الجيش اللبناني اليوم الملاذ الأخير، في ظل الأجواء السياسية القاتمة التي تحيط بلبنان. فالفراغ الذي تعيشه المؤشرات الدستورية مخيفا الى حدود بعيدة، وقد يكون للجيش دورا مستقبليا أكبر مما هو الآن، إذا ما استمرت التعقيدات السياسية على الوتيرة الحاصلة اليوم.