Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
الحكومة العالقة في «مربع المداورة»: هامش الاحتمالات والخيارات «يضيق»
31 يناير 2014
المصدر : بيروت
كان من المفترض أن يكون شهر يناير هو شهر حسم الملف الحكومي، ولكن المواعيد التي حددت لإعلان «حكومة ما» سقطت تباعا وحركة الاتصالات المكثفة تلاشت فجأة وفسحة الأمل تقلصت وسقف التفاؤل برؤية حكومة جامعة سريعا قد انخفض.
الأوساط المعنية والمهتمة بالملف الحكومي منهمكة بفك لغز التعثر المفاجئ وتحديد أسبابه وما إذا كانت إقليمية مرتبطة بـ «جنيف 2» والتوتر الإيراني ـ السعودي على هامشه، أم داخلية ومرتبطة بصراع الأحجام والأدوار عشية انتخابات رئاسة الجمهورية.
وهذه الأوساط كانت انشغلت منذ أسابيع بفك لغز الصعود المفاجئ للحكومة الجديدة بعد سبات عميق دام تسعة أشهر.
ولكن بمعزل عن حركة «الصعود والهبوط» وما يكتنفها من غموض والتباس، فإن صورة الاحتمالات والخيارات الحكومية باتت أكثر وضوحا بعدما رست على ثلاثة:
الأول: الحكومة الحيادية التي يمكن القول إنها باتت في أسفل لائحة الاحتمالات، لا بل لم تعد واردة أقله في هذه المرحلة حتى في حسابات الرئيس ميشال سليمان الذي لوح بها كورقة سياسية ضاغطة منذ شهرين لتحريك الملف الحكومي في ظل سباق مع الوقت وتآكل المهل الدستورية واقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي.
ولكن مع فتح ملف الحكومة السياسية الجامعة وتوافر فرص جدية لتشكيلها، لم يعد الرئيس سليمان متحمسا لـ«الحكومة الحيادية»، خصوصا بعدما تأكد من حجم العقبات والمخاطر السياسية التي تعترضها: حزب الله يرفضها بالمطلق لأنها تستهدفه ولا تعني سياسيا بالنسبة له إلا أمرا واحدا «إبعاده عن الحكومة»، الرئيس بري يؤكد أن حكومة كهذه لن يدعها تصل الى البرلمان ولن تنال الثقة، جنبلاط يقول إنه لن يكون في عدادها وسينسحب منها، وإنه لن يسير إلا بحكومة 8-8-8 النتيجة أن الحكومة الحيادية ستسقط بعد إعلانها مباشرة باستقالة أكثر من ثلث أعضائها، ويفرض سقوطها إجراء استشارات تكليف جديدة لن تعيد تمام سلام وربما تعيد الرئيس نجيب ميقاتي أو من يريده فريق 8 آذار زائدا جنبلاط.
الثاني: حكومة سياسية جامعة أمر واقع وتكون «حكومة بمن حضر»، أي يصار الى إصدار مراسيمها بالاتفاق بين سليمان وسلام ويراعى في توزيع حقائبها الاعتبارات السياسية والطائفية ولكن من دون أخذ موافقة مسبقة من القيادات السياسية ورؤساء الكتل الذين يوضعون أمام أمر واقع ويكون عليهم إما أن يتعاطوا معه أو أن يرفضوه، مشاركة أو انسحابا.
ثمة اعتقاد سائد أن حكومة كهذه يمكن أن تمر وأن تعيش والرهان هنا على تأمين غطاء إسلامي لها من الثلاثي: الحريري ـ بري ـ جنبلاط، وغطاء مسيحي من الثلاثي: سليمان - الجميل ـ المستقلون (في 14آذار) ولكن هذا الاعتقاد ليس في محله لأن مقاطعة عون لحكومة مفروضة عليه ستكون حتمية معتبرا أنها ستكون منسقة مع الجميع إلا معه، وهذه المقاطعة ستجر الى مقاطعة كل فريق 8 آذار زائدا جنبلاط: حزب الله يتضامن مع عون، بري يتضامن مع حزب الله، جنبلاط يتضامن مع بري.
الثالث: حكومة سياسية جامعة متوافق عليها لا تنتج أزمة جديدة وإنما تشكل ضمانة وحماية للمرحلة السياسية المقبلة المحكومة باستحقاق مفصلي هو الاستحقاق الرئاسي.
هذه الحكومة تفتح الطريق أمام انتخابات الرئاسة وتجعل الاتفاق على رئيس جديد ممكنا. وإذا تعذر إجراء الانتخاب لسبب أو ظرف ما، فإنها تتولى إدارة مرحلة الفراغ الرئاسي من دون مشاكل وخضات، وفي الحالين تكون قد أدت دورا إيجابيا في تهدئة الصراع ومنع انزلاقه في اتجاه الشارع والفتنة وفي تقطيع الاستحقاق الرئاسي ومنع نشوب أزمة حكم ونظام سواء حصلت الانتخابات أم لم تحصل.هذه الحكومة متوقفة عند عقدة التمثيل المسيحي لأن عدم مشاركة التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية فيها ولأسباب مختلفة يقوض ميثاقيتها وقاعدتها المسيحية ويجعل حكومة سلام بتراء مثل حكومة السنيورة نهاية عام 2006 بعد انسحاب وزراء حزب الله وأمل منها وبما أن موقف د.جعجع هو موقف نهائي في مقاطعته للحكومة لأسباب مبدئية تتعلق بالموقف من حزب الله وسلاحه وقتاله في سورية، فإن التركيز سيكون على معالجة «مشكلة عون» وتفكيك عقدة المداورة في الحقائب. اقتراحات وأفكار عدة طرحت لتذليل اعتراض عون وإقناعه بالمشاركة على قاعدة المداورة: اقتراح صادر عن جنبلاط بأن يعطى وزارة الخارجية، كان سبقه اقتراح بأن يعطى عون وزارة المال، وأن يصار الى تعيين شيعي من كتلته (النائب عباس هاشم) أو أن تعطى وزارة المال لجبران باسيل مقابل تخليه عن الطاقة على أن تكون وزارة الدفاع للشيعة، ولكن الوزير الشيعي المحسوب على رئيس الجمهورية (العميد حناوي).
أغلب الظن أن عون متمسك بحقيبة الطاقة ومستعد للتفاوض على وزارة الاتصالات لمقايضتها بـ «الأشغال»، وهذا الموقف من جانب عون المدعوم من حزب الله يضع الكرة في ملعب الرئيس المكلف تمام سلام: إما أن يوافق على بقاء وزارة الطاقة مع الوزير جبران باسيل كثمن لتشكيل الحكومة.وإما أن يرفض التراجع عما تعهد به من مداورة ويصبح أمام خيارين: إقناع الرئيس سليمان بخيار حكومة أمر واقع. أو الاعتذار بعدما استنفد فرصته.كما يمكن لسلام أن يستمر على الحال التي لازمته عشرة أشهر: لا يشكل.. ولا يعتذر.. ويبقى كذلك حتى ربع الساعة الأخير من ولاية الرئيس سليمان. خلاصة الملف الحكومي في ضوء كل ما تقدم وما آل إليه من احتمالات وخيارات، هي أن هذا الملف بات أمام احتمالين:
1- تأليف حكومة سياسية جامعة بطريقة توافقية وبولادة طبيعية. وهذا ما لم يعد متيسرا وممكنا من دون حل «عقدة عون» وإرضائه وتجاوز «عقدة المداورة».
2- عدم التأليف وسقوط كل الصيغ الحكومية من «الحيادية» إلى 8-8-8 كأمر واقع إلى السياسة الجامعة المتفق عليها وهذا يعني وضع الاستحقاق الحكومي جانبا والقفز الى «الاستحقاق الرئاسي»، فتكون الحكومة جزءا من عملية التفاوض على الرئاسة، وتكون بشكل خاص ورقة أساسية في يد الرئيس ميشال سليمان الذي لم يسقط من يده ورقة «الحكومة الحيادية»، كما أنه لا يقدم عليها ولا ينفذها في هذه المرحلة.
هذه الورقة يلوح بها أو يهدد بها للدفع باتجاه بت الاستحقاق الرئاسي، انتخابا أو تمديدا. والحكومة الحيادية تبقى، وحتى الربع الساعة الأخير، قرارا سياسيا مع وقف التنفيذ.