Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
«ظاهرة السيسي» في مصر بأبعادها السياسية والنفسية
6 فبراير 2014
المصدر : بيروت

«حزب الكنبة» الاسم الحركي للغالبية الصامتة في مصر، بات صاحب القول الأخير في المشهد السياسي المصري، والعامل الرئيسي في كل الاستحقاقات الانتخابية، بدءا بالاستفتاء على الدستور، وصولا الى الانتخابات الرئاسية التي عقد لواؤها للمشير عبدالفتاح السيسي.
ولعل غالبية لا بأس بها من المحسوبين على «حزب الكنبة» الذي يمثل ما يقرب 70% من الشعب المصري، بحسب ما تفيد الكثير من استطلاعات الرأي التي أجريت منذ «ثورة 25 يناير»، قد باتت تنظر اليوم إلى السيسي باعتباره «المنقذ»، وهو أمر لا يحتاج زائر مصر إلى جهد كبير لاكتشافه، فصور الجنرال بنظارته السوداء مرتفعة أو ملصقة في كل مكان، وهي غالبا ما تظهره الى جانب الزعيم الراحل جمال عبدالناصر ـ وفي صور كثيرة تعلو صورة السيسي صورتي عبدالناصر وخلفه أنور السادات ـ ما يعكس رغبة لدى المصريين في استعادة فكرة «القائد الرمز»، وهو ما يشكل برأي كثيرين انتكاسة للمسار الديموقراطي، الذي يفترض أن يقود الى دولة مؤسسات لا دولة أفراد، ويعزز المخاوف من «العسكريتاريا» التي ظلت السمة المشتركة لكل العهود في التاريخ المصري الحديث.
وربما تكون تلك المخاوف في محلها، إذا ما رصدنا بعض الظواهر التي تشهدها مصر هذه الأيام، وحالة الهوس الشعبي بالسيسي التي باتت تتخطى اللافتات والصور والملصقات والأغنيات، لتبلغ على سبيل المثال الترويج للجنرال عبر قطع شوكولاته و«بيجامات» نسائية تحمل صورته، أو سندويشات كباب مسماة على اسمه او حتى خواتم خطبة نقش عليها حرفا C.C بدلا من الحرفين الاولين من اسمي الخطيبين.
ويفسر اختصاصيون في علم النفس ظاهرة تصاعد شعبية السيسي بأن «الناس شعرت خلال عهد مرسي أن أحدا لم يستمع إلى مطالبها، وأن ما يزيد على 18 مليونية لم تلق آذانا صاغية لدى أهل الحكم، إلى ان أتى السيسي واستجاب لمطالب الشعب، وهنا ارتسمت فيما يسمى اللاشعور الجمعي صورة البطل الذي أتى ليحرر الجماهير».
ولعل الشعبية الجارفة التي بات السيسي يتمتع بها في الشارع المصري، والتي يرجح أن تؤمن له فوزا كاسحا في الانتخابات الرئاسية، قد أصابت الرموز السياسية على قلتها بحالة من الإرباك، ودفعتهم إلى التريث في مجرد التلميح إلى احتمال ترشحهم للرئاسة، أو حتى التحفظ في الكشف عن موقفهم من السباق الرئاسي عامة.
الجميع يعرفون ومنذ «ثورة 30 يونيو» أو «الثورة الثانية» أن المشير عبدالفتاح السيسي هو القائد الفعلي للبلاد، ولا منافس للمشير الآتي من المؤسسة العسكرية ومن الساحات التي ملأتها حركة «تمرد» بالملايين في مواجهة الرئيس «الإخواني». وحصل تلاق بين المجلس العسكري وحركات شبابية على تجييش الشعب المصري بلا عناء كبير لإنهاء حكم «الجماعة» وإزاحتها من المشهد العام. وما كانت «الثورة الثانية» ممكنة، كما الأولى، لولا موقف مؤسسة الجيش.
لا ينفي هذا الواقع الشعبية الواسعة التي يتمتع بها المشير السيسي. توكأ الرجل على موقع المؤسسة العسكرية في تاريخ مصر، وحضورها ودورها في الاجتماع والاقتصاد. وهو حضور يوازي ما لـ «الجماعة» التي يعترف الجميع بأنها قفزت إلى قطار «الثورة» متأخرة وسعت إلى مصادرة مصالحها وبرامجها. وراكم تعاطف المصريين مع وزير دفاعهم الكراهية التي زرعها «تغول الإخوان» وسياسة «التمكين» ومحاولة الإقصاء وعدم الإصغاء للآخرين، وتصاعد المخاوف على هوية الدولة ووحدة مكوناتها. وكذلك المواقف السلبية التي أعلنتها الولايات المتحدة وما تبعها من تجميد لمساعدات عسكرية، والتي كشفت عمق العلاقة بين واشنطن و«الجماعة». ومثلها المواقف الهجومية التي شنتها حكومة رجب طيب أردوغان وحكومات أخرى على «الثورة الثانية». وكان لهذه المواقف أثر سلبي ضاعف من اتساع غضب المصريين على «الإخوان» و«المتدخلين المتعاطفين» معهم في الخارج. بل بات هذا الغضب يشمل كثيرين في الداخل الذين يحاولون تمييز مواقفهم ولو قليلا عن الموقف الشعبي المنجرف خلف الجيش.
الشعبية الواسعة المنحازة إلى المشير السيسي، ورغبة المجلس العسكري في دفعه إلى السباق، لن تغيبا طويلا التحديات التي ستواجه الرئيس القادم. هناك المهمات الطبيعية أمام كل حكم وعلى رأسها الاقتصاد. ولابد أولا من توفير الأمن، وكسر حدة الاستقطاب القائم ثانيا، في ظل هذا التصعيد من جانب «الجماعة» و«شركائها» سيظل الاستقطاب مشدودا على وتر العنف والعنف المضاد.
ويستحيل على الرئيس الجديد الإقدام على أي مقاربة سعيا إلى تسوية سياسية. ففي مقابل التصعيد «الإخواني» الذي بدأ يطاول قادة الأمن ـ وهذا تطور خطير ـ لن يستسيغ خصومهم أي محاولة عاجلة للحكم الجديد يستشف منها تقديمه أي تنازلات.
أي أن الأصوات التي منحت المشير ثقتها وستجددها قريبا لن تسهل عليه في الأمد القصير إطلاق أي حوار مع الطرف الآخر.
في مصر، حيث يصعد المشير السيسي سلم السلطة بسرعة كبيرة، فإن ذلك لا يمنحه تفويضا مفتوحا بلا رقابة. مصر مقبلة على خيارات صعبة والنظام القادم مضطر لأن يسير وسط حقول من الألغام سواء كانت إرهابية أم اقتصادية.
كيفية تعامل النظام القادم مع هذه الألغام المتفجرة مهم جدا والأهم، كيفية تعامله مع المجتمع المدني الصاعد والنامي بسواعد الشباب في مصر سيظهر فورا «خريطة طريقه».