Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
حديث المكاسب والخسائر في تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة
17 فبراير 2014
المصدر : بيروت ـ أ.ش.أ
بعد مخاض طويل دام أكثر من عشرة أشهر خرجت الحكومة اللبنانية برئاسة تمام سلام إلى النور لتضرب رقما قياسيا في تاريخ لبنان من حيث طول فترة التشكيل، بينما ليس أمامها إلا بضعة أشهر لتعمل بها، ثم عليها أن تتقدم باستقالتها إلى الرئيس اللبناني الجديد المفترض انتخابه في مايو القادم، إذا تم انتخابه.
قد يكون هذا أحد أسباب صعوبة تشكيل الحكومة.. فالجميع في ذهنه أن هذه حكومة يحتمل أن تدير البلاد في حال حدوث فراغ رئاسي إذا فشل اللبنانيون في التوصل إلى اختيار رئيس جديد لبلادهم، وهم فعلوها من قبل.
كما قد يكون أحد أسباب تأخر تشكيل الحكومة «شطارة الساسة اللبنانيين الزائدة» والتي تجعل كل طرف يحاول أن يحصل على أكبر قدر من المكاسب خاصة في اللحظات الأخيرة الحرجة.
وبعد التشكيل.. بدأ المراقبون يحصدون مكاسب وخسائر كل طرف، ولكن الواقع أن الفائز هو لبنان الذي نجا من فراغ سياسي قاتل يضغط بشدة على أعصاب اقتصاده، ويهدد بإشعال حرب أهلية في ظل استقطاب سياسي ومذهبي غير مسبوق تزيده الحرب في سوريا المجاورة والسيارات المفخخة القادمة اشتعالا.
وحتى لو انتقل الانقسام السياسي من البرامج التليفزيونية إلى الحكومة فإن هذا أفضل من انتقالها إلى الشوارع والميادين.
بصرف النظر عن التنازلات التي يتحدث كل طرف أنه قدمها فإن الحكومة الحالية تمثل مكسبا للجميع، أول الفائزين تيار المستقبل وزعيمه سعد الحريري الذي بدا في هذه اللحظات التاريخية وهو يقف خارجا لتوه من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان يستعيد فيها ميراث والده السياسي، إذ أعلن وهو على أعتاب المحكمة في «لاهي» بهولندا استعداده للمشاركة مع حزب الله في حكومة واحدة بصرف النظر عن تورطه في سورية ورغم أن المحكمة تحاكم غيابيا 5 متهمين يعتقد أنهم أعضاء الحزب بتهمة اغتيال والده رفيق الحريري.. وليتمثل سعد الحريري في هذه اللحظة شخصية والده الذي كان يمد يده للخصوم قبل الحلفاء.
ولم يقلل من هذا المكسب المعنوي الكبير للحريري، الذي احترمه خصومه قبل حلفائه، مزايدات بعض المتطرفين في الجانب السني، الذين انتقدوا هذه الخطوة ولكن المكسب الأكبر الذي حصل عليه الحريري لتياره وطائفته السنية ولتحالف 14 آذار هو العودة إلى السلطة بعد نحو ثلاث سنوات من الإقصاء عنها، وهو ما أعطى الطرف الثاني الفرصة للسيطرة على مفاصل الدولة، بينما كانت قوى 14 آذار تكتفي بالصراخ من مقاعد المعارضة الكثيرة.
أما الطرف الثاني متمثلا في حزب الله وقوي 8 آذار، فرغم أنه تنازل عن شرطه العتيد بالحصول على (الثلث +1) الذي يعرف بـ «الثلث المعطل» لأنه يتيح لمن يمتلكه أن يعطل قرارات الحكومة واجتماعاتها بل يمكن أن يضطرها للاستقالة..
ورغم أنه أصبح لديهم ثلث الحكومة فقط بعد أن كانوا يسيطرون على أغلبها في الحكومة المستقيلة، إلا أن هناك جملة مكاسب استراتيجية حققها هذا التحالف وخاصة حزب الله.
فتشكيل حكومة يساهم في تخفيف حدة الاحتقان السياسي والاستقطاب الطائفي الذي بات حزب الله طرفا أساسيا فيه مع تيار المستقبل، وحزب الله يعلم أن هذا الاحتقان مهما كان الحذر يمكن أن يودي بالبلاد إلى حرب أهلية قد يكون هو وتيار المستقبل الطرفان الأساسيان بها رغم أنه للمفارقة أن الحزب والتيار هما الفريقان الوحيدان على الساحة اللبنانية الذين لم يشتركوا في الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاما.
ويعلم حزب الله جيدا أنه رغم قوته الكبيرة فإن الحرب الأهلية لا فائز فيها، خاصة أنه بات متورطا في حرب أهلية في سورية التي تفوق لبنان مساحة بنحو 9 مرات وسكانا نحو 7 مرات.
وبالنسبة لفقدان الحزب وحلفائه لوزارة الدفاع لصالح الرئيس اللبناني العماد ميشال سليمان، أو حصول منافسه السياسي تيار المستقبل على وزارة الداخلية، فيبدو أن هذه مشكلة يمكن للحزب التعامل معها في ظل الدور المحدود لوزيري الدفاع والداخلية في التركيبة السياسية للبلاد بالإضافة إلى نجاح الحزب في إقامة روابط وعلاقات قوية مع الأجهزة الأمنية والجيش في البلاد، تكفل عدم اعتراضهما لأنشطة الحزب تجاه إسرائيل أو سورية.
أما العماد ميشال عون الذي يعد الخاسر الأكبر بالأرقام حيث كان لديه هو وحلفاؤه نحو ثلث الحكومة السابقة وانخفضت حصته إلى السدس فإنه نجح في تعزيز مكاسبه في اللحظات الأخيرة فاحتفظ بوزارة الطاقة التي كان يشغلها صهره جبران باسيل من خلال منحها لارتير نظاريان من حزب الطاشناق الأرميني ـ حليف عون، وهذه الوزارة باتت تكتسب أهمية خاصة في ظل التوقعات بأن لبنان لديه ثروات ضخمة من الغاز والنفط في البر والبحر..
كما نجح عون بالدفع بصهره إلى الواجهة الديبلوماسية للبنان وهي وزارة الخارجية.
وحصل عون على مكسب آخر بتلميح البطريرك الماروني إلى رفضه لعدم مشاركة عون في الحكومة، وهو أمر فيه تتويج ما ولو مبطن له بزعامة الطائفة المارونية.
أما حركة (أمل) بقيادة نبيه بري فقد تم تعويضها عن فقدان وزارة الخارجية بالحصول على وزارة المالية التي تكتسب أهمية خاصة، إذ انها المتحكم في ماكينة البلاد الإدارية عبر بوابة الميزانية.
ويبدو وليد جنبلاط الجندي المجهول في هذه الحكومة، إذ بذل جهدا كبيرا في تشكيلها، وهي بذاتها أكبر مكسب له بصرف النظر عن الوزارات التي حصل عليها مثل الصحة والزراعة وفقدانه وزارة مهمة مثل الأشغال والنقل، فجنبلاط كان المتضرر الأول من انفجار الوضع أو تشكيل حكومة أمر واقع، إذ انه حريص على تكريس موقعه الوسطي المحايد، وتشكيل حكومة دون توافق سيضطره إلى الاختيار الصعب بين 8 آذار بقيادة حزب الله و14 آذار بقيادة تيار المستقبل.
أما الرئيس اللبناني العماد ميشال سليمان فيعد أبرز الفائزين من الحكومة بدءا من نجاته ومعه لبنان كله من مصير تشكيل حكومة أمر واقع وما قد يترتب عليها من أزمات وصولا إلى حصوله على حقيبة الدفاع ليستكمل بها حلمه في تقوية الجيش اللبناني عبر المنحة السعودية التي نجح في الحصول عليها ليصبح الجيش هو المدافع الوحيد عن البلد والمحتكر الوحيد للسلاح مع القوى الأمنية وهي المعادلة الوحيدة القادرة على حل إشكالية سلاح المقاومة حتى ولو على مدى بعيد.
حزب القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع قد يبدو الخاسر الأكبر بمقاطعته للحكومة، ولكن الحقيقة أن جعجع حقق مكسبا معنويا بدا فيه السياسي اللبناني الأكثر مبدئية بإصراره على موقفه السابق برفض الجلوس على طاولة الحكومة مع حزب الله طالما كان مشاركا في الحرب السورية وطالما لم يتم حل إشكالية سلاح المقاومة.
وبدا جعجع المحارب الماروني الشرس الذي قاتل الفلسطينيين والسوريين بضراوة في الحرب الأهلية الأكثر حرصا يوما على منطق الدولة والأكثر انحيازا للثورة السورية، وفي الوقت ذاته فإنه لم يخسر كثيرا من مميزات السلطة في ظل وجود حلفائه من قوى 14 آذار في السلطة.
أما تمام سلام رئيس الحكومة، فقد خرج بالتأكيد فائزا بحكومة شراكة وطنية واسعة تعوضه عن لقب صاحب رئيس حكومة المكلف الأكثر استدامة، حكومة يحتمل أن تتحول من حكومة مؤقتة يفترض أن تستمر بضعة أشهر إلى حكومة تتولى الصلاحيات الرئاسية لمدة قد تطول أو تقصر.
وهكذا انتهى الشد والجذب اللبناني بمكاسب للجميع وأثبت الفرقاء أنهم تجار لبنانيون ماهرون إذ حصل الكل تقريبا على ترضيات، ولكن الفائز الأهم هو لبنان، الذي حصل على حكومة بعد ما يقرب من عشرة أشهر من الفراغ، حتى لو لم تستطع هذه الحكومة تخطي عتبة البيان الوزاري والمجلس النيابي.. فإنها يمكن أن تتحول لحكومة جامعة لتصريف الأعمال.