Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
لقاء بريح الشوف: نهاية الحروب في الجبل
17 مايو 2014
المصدر : الأنباء
بيروت - د.ناصر زيدان
لقاء بريح الشوفية اليوم له خصائصه التاريخية، ويحمل مجموعة من المعاني، وتتويجه بغداء في قصر المختارة، دار الزعامة الجنبلاطية، يؤكد على الأهمية الاستثنائية لهذه التظاهرة، وكونها تأتي في هذا التوقيت المفصلي من حياة الجمهورية اللبنانية.
إن حضور رئيس الجمهورية ميشال سليمان، ومعه كبار المسؤولين في الدولة، قبل أسبوع من نهاية ولايته إلى الشوف، يحمل مجموعة من الرسائل، لعل ابرزها اشارته الى المكانة المتقدمة التي يحتلها الشوف في تاريخ لبنان، ففيه كانت عاصمة الإمارة إبان حكم المعنيين والشهابيين في بعقلين ودير القمر، وهو يحتضن المقر الصيفي لرئاسة الجمهورية في قصر بيت الدين، ولهذا القصر التراثي حكايات متعددة عن الخصومة الجبلية، وعن التلاقي في آن.
وحضور رئيس الجمهورية «لقاء العودة» في بلدة بريح وإلى جانبه بطريرك انطاكيا وسائر المشرق للطائفة المارونية مار بشارة الراعي والزعيم وليد جنبلاط وشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز نعيم حسن، ومعهم لفيف واسع من ممثلي الطوائف والأحزاب، ذلك يحمل دلالات واسعة ايضا.
التعاون بين الدروز والموارنة كان كبيرا، وكان المدماك الأساس في تأسيس الكيان اللبناني، ولكن سوء الأقدار، والتنافس، واحيانا «قلة الدبار» والتدخلات الخارجية، أشعلت حروبا بين الطرفين، كانت قاسية بعض الأحيان، لاسيما في العام 1860، وفي أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العامين 1982 و1983، وحصلت فتنة دامية مازالت بعض ارتداداتها تخدش المشاعر حتى اليوم.
لم يحصل مصالحات بعيد فتنة العام 1860 كما حصل بعد انتهاء حرب الجبل في تسعينيات القرن الماضي، ولكن الالتقاء بين الشرائح الاجتماعية للفريقين كان واسعا، فهما يحملان عادات اجتماعية واحدة، ويعيشان بنمطية تقاليد متقاربة، وكلاهما يتميز بشكيمة رجولية متماسكة، واعتاد أفراد الطائفتين على سمات التسامح الديني إلى حدود واسعة، فأصبح أفراد الديانتين في القرى المتداخلة يزورون مقامات وكنائس الفريق الآخر في المناسبات والأعياد المختلفة.
في 3 آب/ أغسطس 2001 زار البطريرك مار نصر الله بطرس صفير المختارة، وعقدت مصالحة تاريخية في الجبل كان لها وقعها الكبير على المواطنين، وقد أسست هذه المصالحة لمرحلة سياسية جديدة، غلب عليها طابع العودة إلى التمسك بالفكرة اللبنانية التي كادت أن تطيح بها التدخلات المخابراتية السورية.
بقي من ملف المصالحات العالقة في الجبل، بلدة بريح الشوفية التي تضم خليطا من المسيحيين والدروز، وفيها حصلت أحداث قاسية ساهمت في تأجيجها قوات الاحتلال الإسرائيلي أثناء غزوها للبنان، وأبناء القرية يتعاونون، ويتواصلون مع بعضهم منذ فترة طويلة، وقد أعدت وزارة المهجرين الترتيبات اللازمة لإتمام العودة أيام الوزير أكرم شهيب وأيام الوزير السابق علاء ترو، وتم توقيع الاتفاق بين الفريقين بحضور رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط في قصر بيت الدين، صيف العام 2012.
احتفال بريح ولقاء المختارة هذا العام، يكرس الاتفاق بين الفريقين، ويستكمل المصالحة التي عقدت في العام 2001، والمشاركة الواسعة فيها من كل المرجعيات الروحية اللبنانية، ومن القوى السياسية المختلفة، يؤكد أهميتها التاريخية، ويؤشر على قرار راسخ عند اللبنانيين بعدم العودة إلى الاقتتال فيما بينهم، لاسيما أن لقاء اليوم يأتي في أجواء فوضى مشحونة، فيها دماء على جدران الدساكر المجاورة، خصوصا في دمشق، ودمشق كانت بواسطة عبدالقادر الجزائري شريكة كاملة في الاقتتال الطائفي الذي حصل في جبل لبنان العام 1860.
ولقاء الشوف بحضور الرئيس ميشال سليمان في هذا التوقيت، فيه شيء من الرضا على أدائه الوطني المتوازن، خصوصا أن سليمان تعاطى بحكمة واضحة مع الملفات الخلافية بين اللبنانيين، من دون أن يفرط في الثوابت الوطنية، ولا بالالتزامات العربية والدولية للحكومة اللبنانية، وكان محايدا موضوعيا في القضايا الأساسية، دون أن يشهر العداء تجاه أي طرف لبناني، بما في ذلك حزب الله.
يذكر لقاء الشوف هذا العام بمصالحة وستفاليا في العام 1648، مع الفارق الكبير في الحجم وفي الموضوع، ولكن مصالحة وستفاليا ختمت حرب المئة وخمسون عاما بين الأوروبيين، وتحديدا بين الكاثوليك والبروتستانت، وحصلت في 17 آيار / مايو وأسست لمرحلة من النهوض والمدنية في أوروبا، أما لقاء الشوف الذي يعقد في ذات اليوم، يختم بالدرجة الأولى حرب المئة وخمسون عاما بين المسيحيين والدروز، وهو يدلل على بدء مرحلة من التعاون المدني الراقي بين الشرائح الاجتماعية اللبنانية التي انهكتها الحروب.