Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري - قراءة في «الظاهرة الشعبية» والمزاج المصري العام
السيسي «الزعيم» قبل أن يصبح «الرئيس»
23 مايو 2014
المصدر : بيروت
ظروف وأجواء «أول انتخابات بعد ثورتين» تشهد مصر أول انتخابات رئاسية (في 26 و27 الشهر الجاري) بعد ثورة 30 يونيو عام 2013 التي أسقطت الرئيس محمد مرسي وحكم الإخوان المسلمين، وهي تمثل الاستحقاق الثاني من خارطة الطريق التي اختارها الشعب المصري بنفسه وحدد مسارها وبدأت بالاستفتاء على الدستور الجديد وإقراره.
ويتطلع الجميع لتلك الانتخابات التي سوف تحدد شخصية الرئيس القادم بين المرشحين الاثنين المشير عبدالفتاح السيسي والسيد حمدين صباحي.
ومن المتوقع أن يحسم وزير الدفاع السابق المشير عبدالفتاح السيسي الانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى، استنادا الى نتائج الاقتراع في الخارج التي أظهرت فارقا شاسعا بين السيسي وصباحي وأكثرية ساحقة لمصلحة الأول. وهذه النتيجة تعطي مؤشرا وإن كان حجم التصويت في الخارج محدودا.
وهذه النتيجة متوقعة في ضوء عزوف الأحزاب والقوى السياسية عن خوض انتخابات الرئاسة في مواجهة السيسي، وفي ضوء التأييد الشعبي الجارف للسيسي الذي ظهر كبطل شعبي وزعيم افتقده الشعب منذ سنوات يستطيع قيادة سفينة الوطن الى بر الأمان.
فهو المنقذ والمخلص ورئيس الضرورة، ويستند الى أرضية تأييد ساحق يكاد يمثل نوعا من الإجماع الوطني وعلى ثقة الجيش المصري، ومرشح رئاسي غير قابل للهزيمة أو حتى المنافسة، مع أن حمدين صباحي تجاسر على كسر هذه الفرضية.
في الواقع، فإن نسبة كبيرة من الشعب تفوق الـ 70% ممن لهم حق التصويت يلتفون حول المرشح عبدالفتاح السيسي (مجتمع الجيش وعائلاتهم شباب الثورة مجتمع رجال المال والأعمال والأقباط والناصريونو اليساريون وحزب النور السلفي.. إلخ).
فالرجل قرر خوض انتخابات الرئاسة تلبية لرغبة الإرادة الشعبية، وذلك لاحتياج مصر لقائد مثله بصفاته وسماته الشخصية التي رأى فيها الشعب المصري الزعامة التي فقدها منذ سنوات طويلة، وستعيد للشعب كرامته التي أهدرت على مدار سنوات طويلة وستقضي على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها.
يعتمد السيسي على شعبتيه التي اكتسبها خلال الشهور الأخيرة، ورصيد الثقة الذي يحظى به المرشح ذو الخلفية العسكرية، إذ إن قطاعا لا يستهان به من المواطنين يثق بدرجة أكبر في نمط رجل الدولة المرتكز على خبرة مؤسساتية سابقة، ويعتقد أنه الأجدر بإدارة الدولة.
وما يميز ظاهرة السيسي أنه تكرس زعيما قبل أن يتجه إلى الرئاسة، وحصد شعبية في أيام معدودة تضاهي شعبية زعماء اشتغلوا سنوات لبلوغها، والسيسي يدرك ذلك ولا يتعامل معه كعرش شعبي جاهز للجلوس عليه.
ولقد أحسن صنعا حين قدم نفسه للناس كما هو، تاركا لهم المقارنة بين ما قال وما سيفعل، وهذا هو الاختبار المفصلي لقائد ولد في أحضان الثورة وتدرج في المواقع إلى أن شهد ثورتين أطاحتا بزعيمين، فكان هو الوارث الشرعي لما حدث.
ومع أن نتيجة الانتخابات معروفة ومحسومة، يجدر التوقف عند الظروف والأجواء المحيطة بها وما تحويه من دلالات ومعان ومؤشرات:
٭ السباق الحالي خلا من مرشح لـ «الإخوان» أو لجماعات الإسلام السياسي، أي أن الأحزاب والتيارات الأيديولوجية المختلفة غابت عن السباق الرئاسي، ما يكشف استمرار حالة الانقسام والاستقطاب في المجتمع وعدم اعتراف جماعات الإسلام السياسي بخريطة الطريق وبالعملية السياسية بعد 30 يونيو وما سينتج عنها، وتراجع السياسة وضعف الأحزاب والنخب السياسية وانقسامها. كما أن التنو ع غائب عن السباق الرئاسي، والمنافسة قائمة بين السيسي وحمدين، لكنها منافسة ناقصة ولا تعبر عن كل فعاليات السياسة والمجتمع.
٭ ضيق الخيارات السياسية والايديولوجية أمام الناخبين، فالسيسي وصباحي ينتميان إلى معسكر 30 يونيو (الأول صاحب الفضل الأكبر في الإطاحة بـ «الإخوان») وكل منهما يستلهم بدرجات متفاوتة تجربة عبدالناصر ويطمح إلى صيغة ناصرية جديدة، يكتنفها كثير من الغموض وعدم الإفصاح تجاه قضايا بالغة الأهمية، بخاصة بالنسبة للسيسي الذي لم يتحدث حتى الآن في السياسة ولم يطرح رؤية اقتصادية أو اجتماعية للمستقبل.
٭ احتمال تدني نسب المشاركة في الانتخابات، بسبب التراجع العام في نسب مشاركة المصريين في الانتخابات والاستفتاءات بعد ثورة 25 يناير، ومقاطعة «الإخوان» وأنصارهم الانتخابات بسبب رفضهم الدستور وخريطة الطريق، إضافة الى الترويج الإعلامي والدعائي الواسع لمقولة إن السيسي سيفوز بغالبية كبيرة، والتقليل من فرص صباحي، ما قد يدفع قطاعات من المصريين للتكاسل وعدم المشاركة ما دام السيسي سيفوز في كل الحالات.
وهناك من يعتقد أيضا بوجود صفقة تحت الطاولة بين السيسي وصباحي المرشح ليكون نائبا للرئيس.
٭ احتمال انسحاب صباحي من السباق الرئاسي بسبب تراجع قدرته على المنافسة أو لتورط بعض أجهزة الدولة وموظفيها في دعم السيسي باعتباره المرشح الأقرب إليها. والإشكالية هنا أن انسحاب صباحي يقوض الانتخابات الرئاسية ويحولها إلى مجرد استفتاء على السيسي، وهو أمر يقلص من فرص وآليات التحول الديموقراطي، كما يقلل من مشروعية السيسي كرئيس.
٭ استمرار الغموض حول شخصية السيسي وترشحه لرئاسة الجمهورية، فليس هناك تصور واضح ومحدد للمشير عبدالفتاح السيسي:
ـ الناصريون يؤكدون أن السيسي هو الامتداد التاريخي لجمال عبدالناصر، وأنه يريد أن يكمل التجربة الناصرية التي انكسرت في نكسة 67، وأن الكثير من الرموز الناصرية تعكف الآن على كتابة البرنامج السياسي.
ـ أما معسكرات الفلول، فترى في الرجل قدرته على فرض الاستقرار في الشارع، ما يتيح لها العودة للمسرح السياسي بنفس نفوذها القديم، ولكن تحت كيانات سياسية جديدة بعيدة عن الحزب الوطني ورموزه المحروقة، وهي ترى أنها ساندت المشير السيسي في مظاهرات 30 يونيو، وفي الاستفتاء على الدستور الجديد، وأن لها الحق في الحصول على المقابل، ليس فقط لموقفها هذا ولكن لأنها القوى الوحيدة المنظمة التي تستطيع تقديم مرشحين للانتخابات البرلمانية القادمة يستطيعون مواجهة مرشحي الإخوان، خاصة في دوائر الصعيد.
كما ترى هذه القوى أن السيسي يؤمن بقوانين السوق وأنه سيوفر لها المناخ الاقتصادي الذي كان سائدا في عهد حسني مبارك، لتعيد من خلاله تحقيق مصالحها التي انهارت مع ثورة يناير.
ـ أما القوى الإسلامية، فتروج للمشير السيسى بأنه الجنرال الانقلابي الذي يخوض معارك ضد الشرعية، وهم يفتقدون أي تعاطف شعبي معهم في الداخل، خاصة مع لجوئهم للعنف.
٭ هناك ظاهرة لافتة للنظر في مصر قبل أيام من انتخابات رئاسة الجمهورية وهي معادلة الثورة الدولة في الانتخابات الرئاسية، وتتمثل في ثنائية «السيسي ـ صباحي» كمرشحين في انتخابات الرئاسة المقبلة. أحد أهم أسباب الظاهرة هو الاختلاف الواضح في طبيعة المناخ السياسي العام في مصر بعد ثورة 25 يناير عنه بعد ثورة 30 يونيو، إذ تراجع تيار الإسلام السياسي كـ «فاعل مهم» في الحراك السياسي والمجتمعي، وتقلصت شعبيته بعد هذه الأخيرة التي عصفت بحكم جماعة الإخوان.
ومن ثم، توارت رموز هذا التيار، وأصبحت في المواقع الأبعد عن إمكان خوض غمار التنافس الانتخابي على منصب رئيس الجمهورية.
ومن ضمن أهم الأسباب أيضا: أن المصريين أنجزوا ثورتين (25 يناير و30 يونيو)، وأسقطوا نظامين (نظام مبارك ونظام الإخوان)، ووضعوا رئيسين (مبارك ومرسي) خلف القضبان في زمن قياسي، ما يعني تغيرا جذريا في طبيعة الشخصية المصرية يؤشر إلى الاستعداد للخروج على أي رئيس قادم لا يستطيع، طوعا أو كرها، تحقيق الحد الأدنى من مطالب المصريين وتطلعاتهم المتمحورة حول الأمن (مكافحة العنف والتطرف والإرهاب) والاقتصاد (الرخاء ورفع مستوى المعيشة وإيجاد فرص عمل) ودور مصر القيادي في العالم العربي.