Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
انتخابات رئاسية تضرب بالحل السياسي عرض الحائط وتبقي الأسد وتضع «الفيتو» على الرئيس اللبناني بيد دمشق
4 يونيو 2014
المصدر : بيروت
شهدت سورية امس، أول انتخابات رئاسية تعددية منذ اكثر من نصف قرن، وجرى تنافس بين مرشحين ثلاثة (ولو كان اثنان منهم مرشحين صوريين ومن لوازم ديكور المشهد الانتخابي)، في حين لم تشهد سورية في السابق إلا استفتاء شعبيا على «رئيس ـ مرشح» واحد لا منافسين له، ولأول مرة في سورية وفي العالم تجري انتخابات بـ «الدم والنار» وفي ظروف غير طبيعية لا تتوافر فيها الشروط الكاملة. ولأول مرة تجري الانتخابات في عز احتدام الأزمة الداخلية وتكون سببا في تعقيد الأزمة وتكريسها، في حين أن الانتخابات الرئاسية تجري عادة في ختام الأزمات لـ «تكريس الحل».
لم يكن ممكنا للانتخابات أن تجري لولا عدة عوامل مساعدة أفاد منها النظام السوري منها: «أزمة أوكرانيا» التي عدلت في الموقف الروسي ونقلته من «ضاغط على الأسد» لقبول الحل السياسي الى مشجع له لتحدي الحل وتنظيم انتخابات. وكذلك التقدم العسكري في بعض الجهات بدعم من إيران وحزب الله.
ولا يمكن التقليل من شأن الانتخابات الرئاسية في سورية حتى لو كانت «انتخابات مهزلة» كما يقول الغرب وكانت تعاني ثغرات كبيرة. إجراء انتخابات رئاسية في ظل الظروف والأوضاع التي تمر بها سورية أمر غير طبيعي، ويعكس تطورا في الأزمة السورية وفي وضع بشار الأسد. الأزمة التي بدأت لأشهر ثورة شعبية وتحولت لسنوات ثورة مسلحة وراحت تبتعد باضطراد عن الحل السياسي الذي أرساه مسار جنيف.
أما الرئيس السوري الذي واجه خطر السقوط بالقوة العسكرية في المراحل الأولى للأزمة، ثم واجه ضغوط التنحي والاستقالة لإفساح المجال أمام الحل السياسي، فانه يعلن عبر هذه الانتخابات أنه تجاوز خطر السقوط العسكري والسياسي. والمعارضة المسلحة والمشتتة تحولت كليا الى وضعية الدفاع. هيئة الحكم الانتقالية تجاوزها النظام. والأولوية صارت للإرهاب الذي يخيم شبحه على أوروبا والعرب، وصارت لمحاربة إرهاب القاعدة وفروعها. الانتخابات الرئاسية تكر س بقاء الأسد وتعوض عن شرعية دولية شبه مفقودة بشرعية داخلية ناقصة، وتعلن انتقال النظام الى وضعية الهجوم على الأرض وفي السياسة.
وجرت الانتخابات الرئاسية السورية امس وسيفوز بها الرئيس السوري بشار الأسد من دون منازع، على الرغم من أن إمكانية المشاركة فيها لن تصل إلى نصف السوريين، لأن النصف الآخر هجروا بلدهم ويتجاوزون 3 ملايين ونحو عشرة ملايين نازحين داخليا ومعظمهم يعيشون في مناطق خارجة عن سيطرة قوات النظام أو في مناطق الاشتباكات. وعلى الرغم من كل الانتقادات والرفض لهذه الانتخابات، تمسك الأسد بها للقول للدول الغربية والعربية التي دانت الحرب في سورية أن مسار جنيف انتهى لأنه لم يوافق عليه منذ البداية، علما أن دمشق لا تعارض محادثات جديدة في إطار جنيف، ولكن كمسار مواز ومستقل عن موضوع الاستحقاق الرئاسي، كما يريد التأكيد لحلفائه في المنطقة وإيران وروسيا أنه مستمر في تشكيل الضلع المتوسطي في المعادلة الدولية الجديدة. كما يتمسك بهذه الانتخابات للتأكد من ولاء قاعدته الشعبية الاجتماعية التي أرهقتها الحرب، أو أنها رسالة لهذه القاعدة بأنها مرغمة على التمسك به شاءت أم أبت.
المشهد كله مريح للأسد، والطريق ممهدة لعودته الى الرئاسة. فالانتخابات تجري وسط محيط متحول بعمق: سقوط مشروع الإخوان المسلمين في مصر، استفحال ظاهرة الإرهاب، تفكك المعارضة السورية على وقع الصراعات المؤلمة بين أركانها، تقهقر المسلحين أمام تقدم الجيش السوري وحليفه حزب الله في الغوطتين والقلمون والريف الدمشقي، استراتيجية «البطن العسكري الآمن» تتحقق.
سابقا اقترح الأميركيون على الروس والإيرانيين، في فترة الإعداد لمؤتمر جنيف الثاني، أن يبقى الأسد في منصبه لكن من دون إجراء انتخابات، ولكن تبين منذ مؤتمر «جنيف 2» أن موسكو تدعم ترشيح الأسد لأنها لا ترى بديلا عنه، وباتت أكثر تمسكا بالأسد من أي وقت مضى. الروس يعتبرون أنه لا فرق بين النظام أو الأسد، أو بين الجيش والأسد. الرئيس هو حاليا رمز المؤسستين.
أما بالنسبة للأوروبيين، الذين كانوا يقولون مطلع 2012 إن الرئيس السوري راحل لا محالة، وان رحيله مسألة أشهر قليلة إن لم يكن أسابيع، فإن إعادة انتخاب الرئيس بشار الأسد لولاية جديدة باتت أمرا واقعا رغم أنهم يعتبرونها «مهزلة»، لأن تمسك روسيا وإيران به، وعقم المعارضة ونمو الإرهاب وتطورات الميدان أفقدت الغربيين كل ثقة بالتغيير. فالأوروبيون يعتبرون أنهم قاموا بكل شيء ممكن، لكن الأوضاع تغيرت وتزداد الآن تعقيدا بعد الذي جرى في أوكرانيا، فباتت الجبهة من دمشق الى بيروت فطهران وكييف واحدة. كما أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأصدقاءه الصينيين منعوا كل القرارات الدولية ضد النظام السوري. لقد نجح الأسد في أخذ المعركة الى حيث يريد ويلقى دعم فلاديمير بوتين وإيران وعراق نوري المالكي ولبنان حزب الله، وربما غيرهم ممن يعتقدون أن الأسد لن يستطيع حكم سورية كما كان الأمر من قبل.
في كل الأحوال، إن إقدام النظام السوري على إجراء الانتخابات الرئاسية وبالشكل الذي أراده يعني:
٭ تجاهل كل قرارات المجتمع العربي والدولي التي وافق عليها سابقا: قرار جامعة الدول العربية الذي كان من بين بنوده نقل صلاحيات الرئيس لنائبه/ قرارات مؤتمر «جنيف ـ 1» والتي ورد فيها تشكيل هيئة لنقل السلطة، أي ان هذه الهيئة مكلفة بصياغة الدستور الجديد والقوانين الناظمة لعملية النقل، وأن ينتخب الشعب السوري رئيسا يمثله بالانتخابات التي تتم انطلاقا من الدستور والقوانين المتوافق والانتخابات. وهذا التجاهل مقتل لمقررات جنيف التي وافق عليها النظام.
٭ وقف الحل السلمي وفرض الأمر الواقع الجديد، وهذا ينهي كل أشكال الحوار مع المعارضة الحالية التي يمثلها «الائتلاف»، ويحصر الحوار بـ «معارضة الداخل» التي يرضى عنها ويسميها النظام «المعارضة الوطنية».
٭ ان عدد السكان المهجرين إلى داخل سورية وعدد السكان المهجرين إلى خارجها أكثر من 9 ملايين مواطن وقد وضعهم هذا القرار خارج المشاركة في الانتخابات أي ان النظام أبعد عمليا جميع المعارضين ولم يعتبرهم جزءا من العملية الانتخابية ومن المعادلة الوطنية والحياة السياسية.
والخشية، بعد هذه الانتخابات ونتائجها وتداعياتها، من أن يتعمق الانقسام داخل المجتمع السوري بين موالين ومعارضين، بين مشاركين ومقاطعين. والخشية أيضا من أن يتأثر لبنان من نتائج هذه الانتخابات، وأن تبدأ دمشق بالعودة من النافذة السياسية الى لبنان بعدما غادرته من الباب العسكري، وأن تكون بداية هذه العودة من الانتخابات الرئاسية اللبنانية التي ـ للمفارقة ـ فشل لبنان المستقر في إجرائها. فالقراءة الواقعية للأمور تؤكد استحالة وصول مرشح مناهض لسورية الى سدة الرئاسة في لبنان أقله في الوقت الراهن، بل بات من الصعب انتخاب رئيس من دون التشاور، مباشرة أو مداورة، مع القيادة السورية التي قالت إنها تريد «رئيس ممانعة». دمشق لم تكن لها كلمة في حكومة سلام، لا بل بدت مستاءة وعاتبة على حلفائها بسبب هذه الحكومة. أما الرئيس الجديد فإن دمشق تستعد للعب دور في اختيار الرئيس اللبناني وستعطى حق الفيتو بكل تأكيد.