Note: English translation is not 100% accurate
لبنان.. الرئاسة من البرلمان والرئاسة من الشعب
6 يوليو 2014
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
توسعت التعليقات والتحليلات والمواقف في لبنان حول ما أدلى به رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون في مؤتمره الصحافي الأخير، والذي تضمن اقتراحات بتعديل الدستور، بحيث يُنتخب رئيس الجمهورية من الشعب مباشرة، وعلى مرحلتين: المرحلة الاولى يتم فيها التصويت للمرشحين من ناخبي الطائفة المارونية التي يُفترض أن ينتمي اليها الرئيس، والمرحلة الثانوية يصوت له بقية اللبنانيين، وذلك على عكس ما هو معمول به في الدستور اليوم، بحيث ينتخب الرئيس من قبل أعضاء البرلمان اللبناني بأكثرية الثلثين في الدورة الاولى، وبأغلبية النصف + واحد في الدورة الثانية.
التعديلات الدستورية في لبنان معدة، وهي تحتاج الى مشروع قانون من الحكومة بموافقة ثلثي مجلس الوزراء، وتحتاج أيضا لموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب لإقرارها. والتشدد في إجراءات التعديل ضروري لحماية العقد الاجتماعي بين مكونات الأمة، وإبعادها عن الارتجال الذي قد يعرضها للخطر الدائم، فيما لو كانت إجراءات تعديل الدستور سهلة، كما لو أنها تحتاج الى أكثرية النصف + واحد فقط، وعندها يصبح تعديل الدستور مسألة سهلة يمكن أن تقدم عليها أي أكثرية برلمانية.
الدستور اللبناني يحدد هوية الدولة على أنها جمهورية برلمانية ديموقراطية. والنظام البرلماني يختلف كثيرا عن النظام الرئاسي المعمول فيه في الولايات المتحدة الأميركية، أو في سورية مثلا. ففي الأول الشعب يوكل ممارسة السلطة لممثلين عنه (النواب)، أما في النظام الثاني فالرئيس المنتخب من الشعب يمارس السلطة التنفيذية مباشرة بواسطة مساعدين يختارهم أي (الوزراء).
اقتراح الجنرال عون يغير طبيعة الجمهورية بكاملها، ويحوِّل النظام من برلماني الى رئاسي، وهذا ينقض كل طبيعة العقد الاجتماعي بين اللبنانيين، وبالتالي يفرض الاتفاق على عقد اجتماعي جديد بينهم، وهذا الأمر في منتهى الصعوبة، نظرا لطبيعة التكوين الطائفي المتعدد للشعب اللبناني.
ولكن صعوبة تطبيق الاقتراح العوني، لا تكمن في هذه المسألة الحساسة فقط، بل تطرح تحديات جوهرية أخرى قد تُشكل خطرا على مستقبل الدولة وعلى العيش المشترك وعلى وحدة الشعب، ومن أهم هذه التحديات التي قد تنتج عن التعديل الدستوري المقترح:
٭ أولا: ماذا لو أجريت عملية انتخاب الرئيس في دورتها الأولى (أي من ناخبي الطائفة المارونية) ولم يحصل المؤهل إلا على عدد خجول من الأصوات، من جراء مجموعة من العوامل، أقلها بسبب الهجرة، أو بسبب التناقص العددي لأبناء هذه الطائفة أمام تزايد أعداد الطوائف الإسلامية الاخرى. عند ذلك يتكوّن الاحراج الوطني، ويشعر الرئيس بضعف لا تعوضه أصوات اللبنانيين الآخرين الذين قد يمنحونه اياها في الدورة الثانية. ومثال على ذلك وعلى سبيل الافتراض القابل للتحقق: إذا حصل المرشح الرئاسي على مائة ألف صوت من ناخبي الطائفة المارونية في الدورة الأولى، وحصل على مليون صوت من ناخبي الطوائف الاسلامية، ذلك يُشكل إخلالا يرافق الرئيس طيلة ولايته، ويُربك عمله، وينعكس سلبا على صورة وحجم الطائفة المارونية التي تتصدر الطوائف المؤسسة للكيان.
٭ ثانيا: ماذا لو جرت المرحلة الاولى من عملية انتخاب الرئيس من ناخبي أبناء طائفته، وتأهل المرشح الحاصل على أكبر عدد من أصواتها وكان على قدر من التعصب، أو التشدد الطائفي - وذلك قد يحتاجه كدعاية للتأهل عند أبناء طائفته - وهذا ما قد يُغضب ناخبي الطوائف الإسلامية، وقد يدفعهم الى مقاطعة الانتخابات، وبالتالي قد يفوز الرئيس بعدد قليل من الأصوات. إن ذلك يشكل خطرا وجوديا على الدولة، ويُضعف من مكانة الرئيس الذي يعتبر وفقا للدستور رمز وحدة البلاد، ورئيسا أعلى لكل السلطات.
المعالجة الواقعية لأزمة الشغور الرئاسي في لبنان قد تكون فقط من خلال التواضع الوطني للقيادات السياسية، وفي المشاركة بجلسات الانتخاب وممارسة الحق في اختيار الرئيس وفقا للآلية التي ينص عليها الدستور. ومشاركة النائب في جلسة انتخاب الرئيس ليست حقا مطلقا يمكن ممارسته، ويمكن الامتناع عنه، بل هي واجب وطني، وواجب دستوري على ما تشير الأعراف الدستورية في البلدان الديموقراطية، لأن النائب ليس من حقه عرقلة الانتظام العام للدولة.وتعطيل النصاب في جلسات انتخاب رئيس الجمهورية، تأتي في مقدمة القضايا التي تعتبر عرقلة لمسيرة الدولة والانتظام العام.
إن أخطر ما يمكن طرحه في لبنان اليوم، هو إجراء تعديلات دستورية، ذلك قد يفتح الشهية على تعديلات قد لا تقتصر على عملية انتخاب الرئيس.