Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
«عرسال» و «العسكريون» تكشفان: هاجس الفتنة وارتباك الحكومة
9 سبتمبر 2014
المصدر : بيروت
يعيش لبنان منذ تفجر أحداث عرسال أجواء قلق واضطراب وخوف من «الأسوأ الآتي». صورة الوضع ارتسمت على وجه الرئيس تمام سلام وهو يوجه أول رسالة الى اللبنانيين في زمن الشغور الرئاسي، وقد اضطر الى مخاطبة الرأي العام مباشرة لاحتواء أجواء الصدمة والخيبة بعد ذبح عسكريين من المخطوفين، وأيضا للدفاع عن حكومته وطريقة إدارته لهذا الملف، بكلام عكس استياء وتذمرا من الضغوط التي تمارس عليه والتي تشكل حركة الشارع وقطع الطرقات جزءا منها.لقد بدا الرئيس سلام مسكونا وممتلئا بهاجس الفتنة التي أطلت برأسها في البقاع الشمالي بعد الإعلان عن استشهاد الجندي عباس مدلج ذبحا، وتطلب تطويقها بذل جهود مركزة وإعلان حال استنفار سياسي في ظل تقاطع إيجابي عند نقطة: عدم الوقوع في الفخ الذي تنصبه «داعش» التي تلعب على التناقضات والانقسامات اللبنانية لإثارة فتنة مذهبية وطائفية.
حالة القلق العام على المستوى الحكومي، وأيضا على المستويين السياسي والشعبي، تبدو مبررة ومفهومة استنادا الى الأسباب والعوامل التالية:
1 ـ الارتباك في موقف الحكومة وطريقة إدارتها لملفين على درجة عالية من الدقة والصعوبة: قضية العسكريين المخطوفين وأمن عرسال. وكل الاجتماعات التي عقدت للحكومة ولخلية الأزمة لم تسفر حتى الآن عن توجهات وقرارات واضحة ونهائية في أي من الملفين: ففي قضية العسكريين المخطوفين ما زالت التوجهات والآراء موزعة بين رافضين لمبدأ المفاوضة والمقايضة، ومؤيدين للمفاوضة ومقايضة مع مسجونين عاديين، ومؤيدين مثل جنبلاط للمفاوضة من دون مقايضة (في موقف يصعب تفسيره ويحمل تناقضا في ذاته). وإذا كانت الغلبة في آخر جلسة للحكومة لفريق 8 آذار عبر موقف يعلن ألا مساومة ولا تخاذل ولا مقايضة، وعبر التلويح باستخدام أوراق القوة التي لدى الحكومة ومنها تنفيذ أحكام بالإعدام بالإرهابيين المحكومين، وعزل عرسال عن جرودها، فإن هذا الموقف يعني عمليا أن قضية العسكريين أصبحت خارج دائرة التفاوض وإنها مسألة طويلة خاضعة للظروف والتطورات، وأن وضع عرسال «ضبابي» ومن غير الواضح كيف ستتم عملية قطع الاتصال بين عرسال والمسلحين وما هي الانعكاسات المترتبة على ذلك مع دخول الوضع دوامة مفزعة في وقت تدور الاتصالات والاجتماعات في حلقة مفرغة، وترتسم هذه المعادلة على الأرض: قطع رؤوس جديدة ووقوع عمليات ذبح جديدة للعسكريين المخطوفين يزيد في احتقان المشاعر وإذكاء نار الفتنة المتعددة الرؤوس والأشكال (لبنانية ـ سورية وسنية ـ شيعية وإسلامية ـ مسيحية..)، وقطع الاتصال والتواصل بين عرسال وجرودها يعني بالنسبة للمسلحين قرارا بحصارهم وخنقهم ولا يمر من دون ردة فعل من جانبهم.
2 ـ الأجواء السياسية الملبدة في ظل سجالات وتبادل اتهامات بين مكونات الحكومة التي لا تعكس أجواءها «شراكة فعلية وأنها على موجة واحدة» في مقاربة خطر الإرهاب وكيفية التصدي له. ليس بالوضع الصحي والسليم أن نشهد في خضم أخطار داهمة وفتنة متربصة، أزمة ثقة بين فريقي الحكم. وبعد حملة انتقادات وجهت الى قيادة الجيش وتحميلها مسؤولية «تسوية مهينة أتاحت خروج المسلحين من عرسال مع العسكريين الرهائن»، انتقلت الحملة الى المستوى السياسي وبدأ رئيس الحكومة تمام سلام وفريقه الوزاري يتعرض لحملة انتقادات واتهامات تحمله مسؤولية إعاقة حركة الجيش والوقوف حجر عثرة أمام استكماله معركته ضد الإرهاب والطلب منه وقف إطلاق النار لتسهيل دخول وفد هيئة العلماء المسلمين وعدم إكمال عملية الانتشار ميدانيا بين عرسال وجرودها.
وفيما تتحدث مصادر في 8 آذار عن ضغوط سياسية شديدة مورست على قيادة الجيش من قبل تيار المستقبل ممثلا برئيس الحكومة، توجه مصادر في 14 آذار اتهاما لحزب الله بأنه يريد جر الجميع وراءه في حربه وخططه. وتقول هذه الأوساط انه مع تشكيل الحكومة حاول حزب الله نيل غطاء سني لمعركته في سورية، فنجح جزئيا، لكنه بدأ الآن بمحاولة من نوع مختلف، ألا وهي جر قوى 14 آذار، والحكومة والجيش، إلى تعاون أمني وعسكري مع جيش النظام السوري. من هنا يمكن تفسير تداعيات معركة عرسال، التي أدت إلى خطف العسكريين، والتي يبدي فيها حزب الله تصلبا في عملية التفاوض، وصل إلى حد التهديد بفرط الحكومة، ونجح في فرض أجندة مختلفة ستؤدي، إذا استمرت، إلى أن يسير الحزب في المقدمة ويسير الجميع وراءه مرغمين، في مواجهة إرهاب داعش والنصرة، من دون تسليط الضوء على سبب قدوم هذا الإرهاب إلى لبنان، المتمثل بقتاله في سورية.
3 ـ السبب الثالث يتصل بالوضع الميداني في عرسال الخاضع لعوامل وحسابات سياسية وعسكرية و«مناخية» (مع اقتراب فصل الشتاء) وأيضا لتطور الظروف والأوضاع في المحيط السوري. وتقول مصادر ديبلوماسية متابعة للحرب السورية وانعكاساتها على لبنان انطلاقا من نقطة التقاطع الحدودي عند خطوط القلمون عرسال إن لديها قلقا من أن يحصل تمدد لتنظيم «داعش» بأعداد كبيرة باتجاه مناطق حدودية على تماس مع لبنان، ما سيعجل باستدراج لبنان الى حروب المنطقة بشكل أوسع.
وبحسب هذه المصادر، فإن تنظيم «الدولة الإسلامية» بدأ في ضخ أعداد كبيرة من مقاتليه في منطقة ريف دمشق التي يشكل فيها تنظيم «جبهة النصرة» الثقل الأكبر منذ 2013. وتعتبر منطقة القلمون هدفا لتنظيم «داعش» الذي يسعى الى الانتشار فيها ليكون على تماس مع الحدود اللبنانية ـ السورية بثقل يوازي ثقل «جبهة النصرة» التي نجحت حتى الآن في منع النظام في سورية وحزب الله من السيطرة على كامل منطقة القلمون، حيث استعاد الثوار المبادرة في الأرياف تاركين قوات النظام وحزب الله في المدن والقرى الرئيسية. ولبنان، كما دلت أحداث عرسال الأخيرة، ليس ببعيد عن الحرب الدائرة على أرض القلمون، خصوصا أن أحداث عرسال انتهت الى تهدئة موقتة أشبه بهدنة بين معركتين. لذلك فإن هشاشة الوضع القائم في لبنان مثيرة للخشية بالنسبة الى المجتمع الدولي الذي يتهيأ لحرب طويلة مع تنظيم «الدولة الإسلامية» في كل من العراق وسورية