Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
الحرب الأميركية «الثالثة» في المنطقة
25 سبتمبر 2014
المصدر : الأنباء
للمرة الأولى منذ اندلاع الازمة في سورية، يحصل تدخل عسكري أميركي في هذا البلد. تدخل كاد يحصل العام الماضي ضد الأسد بعد استخدام الأسلحة الكيميائية، لكن الأميركيين تراجعوا وفضلوا سلوك الحل السياسي والاتفاق مع الروس لنزع الأسلحة الكيميائية. أما التدخل الآن، فإنه يحصل ضد تنظيمات إرهابية متطرفة في مقدمتها «داعش»، وفي إطار تحالف دولي إقليمي واسع، وعلى أساس إعطاء الأولوية للحرب على الإرهاب وتعليق المشكلة مع النظام السوري ووضعها جانبا، فلا يكون الجيش السوري جزءا من العمليات العسكرية ضد «داعش» ولا تكون مناطق سيطرة النظام هدفا لهذه العمليات ولا تتاح للحكومة السورية فرصة الاستفادة من الحرب وتوسيع نطاق سيطرتها وملء الفراغات الناتجة عن تقهقر التنظيمات الإسلامية.
الحرب الأميركية الجديدة في سورية ينظر إليها على أنها تطور مهم ونقطة تحول، ليس فقط في مسار الأزمة السورية وإنما في السياسة الأميركية التي تعود الى الدور القيادي بعد انكفاء لسنوات في عهد أوباما والى استراتيجية التدخل بدل الانسحاب، وأيضا في مسار المنطقة المقبلة على مرحلة جديدة وإعادة رسم لخارطتها السياسية، وربما تكون هذه الحرب الأميركية عنوانا لمرحلة جديدة واستراتيجية أميركية جديدة في المنطقة تماما مثلما كانت الحرب الأولى (عاصفة الصحراء) لتحرير الكويت مطلع التسعينيات والحرب الثانية في العراق لإسقاط نظام صدام حسين بدءا من العام 2003. وأما الحرب الثالثة التي تشمل سورية للمرة الأولى، فإنها حددت هدفا وعنوانا لها هو محاربة الإرهاب والقضاء على «داعش»، ولم يتم تحديد أي هدف آخر معلن.
أما الملاحظات الأولية في شأن هذه الحرب وهذا التحالف واستنادا الى وقائع اليوم الأول فهي:
1- لم يشكل انتقال الضربات الجوية من العراق الى سورية مفاجأة، لأن واشنطن كانت مهدت لهذا التطور وأعلنت على لسان كبار مسؤوليها تكرارا أن ضرب «داعش» في العراق وحده غير كاف، وأنه كما قال الجنرال مارتن ديمبسي «لا يمكن أن نهزم «داعش» في العراق من دون التدخل ضد فرع «داعش» في سورية».
أما عنصر المفاجأة، فإنه يكمن في أن هذه الضربات جاءت أسرع مما كان متوقعا وفي توقيت لم يكن أحد ينتظره. وقد أعطيت جملة تفسيرات لتسريع الحرب وتوسيع نطاق الضربات باتجاه سورية ومنها استباق تطورات كان يعد لها «داعش» في جنوب الأردن، واستباق الولايات المتحدة لضربة كبيرة كانت تعد ضدها على يد جماعة مرتبطة بالقاعدة وخشية تركيا من تطورات اقتربت من حدودها مع سورية من جراء انفجار الحرب بين «داعش» والأكراد وحركة النزوح الكردي باتجاه تركيا مقابل نزوح مواز مسلح لحزب العمال الكردستاني باتجاه سورية.
وهذا ما يفسر التحول الذي طرأ على موقف تركيا حيال التحالف من «موقف بارد» الى «موقف متحمس» للانخراط في الحرب والمشاركة بكل أنواعها بما في ذلك المشاركة العسكرية.
2- الموجة الأولى من الغارات الجوية لم تقتصر على «داعش» وإنما شملت مواقع لتنظيمات أخرى مرتبطة بالقاعدة مثل «النصرة» و»خراسان»: 36 طائرة أميركية وعربية أغارت على «داعش» لاسيما في منطقة الرقة و200 ضربة نفذت بصواريخ توماهوك الأميركية المنطلقة من الخليج العربي والبحر الأحمر ضد مواقع «النصرة» في منطقة متداخلة بين ريفي حلب وإدلب.
3- شاركت دول عربية في الغارات وهي السعودية والأردن والإمارات والبحرين، فيما اقتصرت المشاركة القطرية على دعم لوجستي.
4- الولايات المتحدة «أخطرت» الحكومة السورية بالضربات الجوية التي ستنفذ خلال ساعات، أي انها أعطت دمشق علما وخبرا عبر أقنية ديبلوماسية (المندوب السوري في الأمم المتحدة) وسياسية (الحكومة العراقية)، ولكن واشنطن لم تطلب إذنا من دمشق ولم تنتظر موافقتها. وهذا التعاطي الدقيق والمدروس يعني أن واشنطن لا تتطلع الى تنسيق وتعاون مع الحكومة السورية في هذه الحرب ولا تعطيه فرصة رد اعتبار لصورته ووضعه الدولي أو فرصة تحسين وضعه على الأرض بتقدمه لملء فراغ «داعش». ولكن واشنطن أيضا تتعاطى معها كواقع موجود وتبقي على «خيط اتصال وتواصل» مع دمشق، وقد تكتفي واشنطن بمحاصرة الحكومة وإضعافها وجعلها متقبلة للحل السياسي عندما يحين أوانه، خصوصا أنها فقدت السيطرة على أجزاء واسعة من شمال وشرق البلاد وعلى حدود سورية مع الأردن، ومع تركيا وإسرائيل، الأولى تخطط لإقامة منطقة حدودية عازلة والثانية تخطط لإقامة شريط أمني حدودي.
5- الموقف السوري في التعاطي مع الضربات الأميركية جاء مربكا ولكن يميل الى الإيجابية، لأن ما يحصل يصب بشكل أو آخر في مصلحة دمشق وفي تأكيد صوابية طرحها وحربها ضد الإرهاب. وهذا الموقف تمايز عن موقف إيران المتحفظ على تحالف دولي جرى تركيبه بمواصفات أميركية من دون الأخذ بالمطالب والشروط الإيرانية، وعن موقف روسيا التي تخشى تكرار تجربة ليبيا في سورية من خلال تحالف بدأ في مكان وانتهى في مكان آخر وسيناريوهات عسكرية أحادية الجانب ومن دون إطار دولي شامل.
6- الحرب الأميركية ضد الإرهاب في المنطقة هي حرب مفتوحة من دون سقف زمني وسياسي: فلا مهل زمنية حددت للعمليات العسكرية ولا أهداف سياسية حددت للحرب التي ستتدحرج عسكريا وستتطور سياسيا تبعا لمجريات الصراعات والمصالح الدولية والإقليمية المتشابكة والمتداخلة والموزعة بين محورين: محور «التحالف» ضد الإرهاب، ومحور من هو ضد الإرهاب وضد التحالف في آن.