Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
لبنان .. «أمراء الطوائف» في العام 2014 التساوي في «المأزق السياسي»
31 ديسمبر 2014
المصدر : الأنباء
رغم احتدام الصراع السني ـ الشيعي في المنطقة، مازال الصراع في لبنان تغلب عليه صفة «الصراع السياسي»، ومازال الفرز والاصطفاف في لبنان موزعا بين فريقين كبيرين، 8 و14 آذار، وكل فريق يضم خليطا من قوى ومكونات سياسية وطائفية.
منذ حصلت تصدعات واهتزازات في التحالفات والعلاقات داخل كل فريق ولكن لم يحصل انهيار في أي منهما ولم تصل الأمور إلى خلط أوراق وتغيير قواعد اللعبة المطبقة منذ العام 2006 والتي لم تشهد منذ ذلك الحين إلا خروج الزعيم الدرزي وليد جنبلاط من تحالف 14 آذار ووقوفه في منطقة وسطية.
وبالإجمال، تساوى أمراء الطوائف والأحزاب في المأزق السياسي الذي وضعهم في حال مراوحة وأمام وضع مقفل لم ينتج إلا الفراغ أو التمديد في العام 2014 الذي بدأ مع حوار عون ـ الحريري وأقفل مع حوار حزب الله ـ المستقبل، فيما حركة السياسيين ووضعيتهم جاءت على الشكل التالي:
1 ـ الحوار السياسي الأول من نوعه بين العماد ميشال عون والرئيس سعد الحريري أثمر اتفاقا حول الحكومة ولم يثمر اتفاقا حول رئاسة الجمهورية، فقد كان عون وما يزال يراهن على أن يكون وصوله الى رئاسة الجمهورية مرادفا لعودة الحريري الى رئاسة الحكومة، وعلى معادلة الأقوياء في الطوائف الثلاث: حسن نصرالله ـ سعد الحريري ـ ميشال عون، هذه المعادلة التي جاهر بها عون كانت كافية لتنفير واستنفار الأقوياء الثلاثة الآخرون: نبيه بري وليد جنبلاط سمير جعجع.
ويخوض عون آخر معاركه الرئاسية ولذلك يبدي تشددا وتشبثا بموقفه وسعيه للفوز بالرئاسة، وهذا الموقف المدعوم من حزب الله أنتج معادلة مستمرة حتى إشعار آخر وخلاصتها: انتخاب عون أو استمرار الفراغ، عون رئيسا أو لا رئيس، وهذه المعادلة وضعت الاستحقاق الرئاسي في صندوق مقفل، القفل في يد حزب الله والمفتاح في يد عون، واختراق هذه المعادلة ينتظر إما تغييرا في موقف عون واقتناعا وتسليما من جانبه ألا حظوظ ولا فرص له بالوصول الى قصر بعبدا ولا يمكنه أن يكون رئيسا ولكن بإمكانه أن يكون صانع رئيس. وإما تغييرا في موقف حزب الله إذا حدثت تسوية في المنطقة كان لبنان جزءا منها.
ربح عون معركة تشكيل الحكومة، وخسر معركة التمديد للمجلس النيابي، ولم يخسر ولم يربح حتى الآن في رئاسة الجمهورية، لكنه واقع تحت ضغط سياسي هائل كونه يتحمل أكثر من غيره مسؤولية الفراغ الرئاسي الحاصل والمتواصل.
2 ـ إعلان رئيس حزب القوات اللبنانية د.سمير جعجع ترشحه لرئاسة الجمهورية وعلى أساس برنامج رئاسي حافل. د.جعجع يخوض أولى معاركه الرئاسية، ليس من خلفية السعي للفوز بالرئاسة، خصوصا أن المعركة هي معركة نصاب (الثلثين) قبل أن تكون معركة أصوات (الأكثرية المطلقة)، هو يخوضها لأهداف أخرى حققها ومنها قطع الطريق على عون والوقوف سدا منيعا حائلا دونه والرئاسة، ورفع الحظر الرئاسي الذي كان مفروضا على القوات ورئيسها، والدخول ناخبا قويا وشريكا أساسيا في عملية الرئيس التوافقي عندما يحين وقته وتنضج ظروفه.
بالإجمال، كان عاما جيدا لسمير جعجع برز فيه مرشحا رئاسيا قويا، ولاعبا سياسيا متصدرا الجانب المسيحي في فريق 14 آذار، وحليفا أساسيا لا غنى عنه عند تيار المستقبل، وبديلا عن جنبلاط في المملكة السعودية. المفارقة في وضع جعجع تظل في هذا الفارق المستمر بين وضعه السياسي المتحرك الى الأمام وحجمه الواقعي الجامد. القوات اللبنانية هي القوة السياسية ـ النيابية الوحيدة خارج الحكومة، وكتلتها النيابية في ظل قانون الـ 60 غير متناسبة مع حجمها الشعبي، ورئيسها يمكنه أن يكون مرشحا للرئاسة ويستحيل عليه أن يكون رئيسا.
3 ـ وليد جنبلاط هو الأكثر حراكا والأقل ثباتا واستقرارا وسط إدارة صعبة ودقيقة لتناقضات وتوازنات سياسته وعلاقاته. فهو ضد النظام السوري ومع حليفه حزب الله في لبنان، فهو ينسق ميدانيا مع حزب الله لحماية مناطقه الجبلية في محيط الضاحية ويتواصل سياسيا مع «النصرة» ويغازلها لحماية المناطق الدرزية الحدودية المكشوفة، يبدي حرصا على رئاسة الجمهورية والانتخابات الرئاسية، ولكنه لا يفعل شيئا بهذا الاتجاه، وإنما يساهم في إقفال اللعبة مع الإبقاء على ترشيح هنري حلو لتفادي الإحراج وعدم أداء دور بيضة القبان والقوة المرجحة.
واستمد جنبلاط دوره وقوته كما في كل عام من الرئيس نبيه بري. فهما ينسقان في كل شيء وفي كل وقت، وكل واحد منهما يحتاج الى الآخر، أما الثغرة الأساسية لدى جنبلاط فهي أنه لا يستند الى أي مرتكز مسيحي ويفتقد الحليف المسيحي الذي يعتد به. جنبلاط كان أبرز الخاسرين من خروج الرئيس ميشال سليمان من قصر بعبدا بعدما كان راهن عليه خيارا مسيحيا ثالثا بديلا عن عون وجعجع وشريكا مسيحيا في جبهة سياسية وطنية وسطية، وتلازم خروج سليمان من المسرح الرئاسي والسياسي مع ضعف أصاب بكركي والبطريرك الراعي بعدما شكلت بكركي على امتداد سنوات سندا للمختارة.
4 ـ الرئيس سعد الحريري عرف تقدما في وضعه السياسي مع حكومة له فيها الحصة الأساسية: رئاسة الحكومة ووزارات أمنية، ومع مجلس نيابي ممدد له، له فيه الكتلة الأكبر، ومع رئاسة جمهورية هو فيها ناخب أساسي وممر إلزامي، لكن الحريري يواجه ضغوطا وتحديات. فهو لم يبلغ بعد مرحلة الاستقرار في لبنان الذي عاد إليه بشكل خاطف ولمهمة محددة حاملا هبة المليار دولار، وظروف عودته إلى رئاسة الحكومة لم تنضج بعد. وهذه العودة لا يمكن أن تتم إلا بالتفاهم مع حزب الله ومن ضمن اتفاق سياسي معه ويمكن أن تكون إحدى نتائج الحوار الثنائي.
أما التحدي الأبرز فهو داخل طائفته ومع جمهوره، فالطائفة تبدلت أحوالها ولم تعد خاضعة لأحادية الزعامة وإنما نمت داخلها حالة إسلامية صاعدة استحوذت على الأرض ودغدغت الشارع وصارت تشكل منافسا جديدا لتيار المستقبل. ويضاف الى ذلك القوى والشخصيات الإسلامية ومراكز قوى وقيادات سياسية حجزت لها مكانا متقدما في المشهد السني ومن أبرزها الرئيس نجيب ميقاتي الذي أثبت وجوده كحالة سياسية شعبية في طرابلس والشمال.
أما الجمهور الموزع في ولاءاته وتوجهاته، فإنه لا يستسيغ مشروع الحوار بين المستقبل وحزب الله وتطوير العلاقة، وهو بالكاد تقبل فكرة الشراكة أو المساكنة الحكومية التي جرى تبريرها وتمريرها تحت عنوان «ربط النزاع». هذا الجمهور لم يستوعب بعد كيف ولماذا اضطر المستقبل لمهادنة حزب الله والتوقف عن المطالبة بانسحابه من سورية كشرط للتطبيع معه؟
5 ـ الرئيس نبيه بري كان سيد اللعبة السياسية هذا العام هو من هندس حكومة سلام، وهو من أدار عملية التمديد لمجلس النواب، وهو من يمسك بخيوط الرئيس التوافقي بعدما أفسح في المجال أمام استنفاد كل الفرص وحرق كل الأوراق، وهو من دفع بالمستقبل وحزب الله الى طاولة الحوار وهيأ المناخ السياسي الملائم ووضع جدول الأعمال وقدم نفسه وسيطا وراعيا، يرغب بري في تعويم المعادلة الثلاثية «الذهبية» التي لمعت أيام السوريين: بري ـ الحريري ـ جنبلاط، هذه المعادلة تفتقر الى العنصر والمرتكز المسيحي. عون مازال التعاطي معه جار على أساس أنه «حليف الحليف» ولم يتحول بعد الى حليف منفصل.
وجعجع تظل العلاقة معه محدودة وغير متطورة طالما لديه مشكلة مع حزب الله.
6 ـ -السيد حسن نصرالله الذي يصح فيه لقب «شخصية كل عام» هو الحاكم الفعلي في لبنان ولديه قوة التأثير وقدرة التحكم في القرارات والاتجاهات، أما حزب الله الذي يقوده فقد أصبح لاعبا إقليميا بعدما حجز موقعا متقدما على خارطة القوى المؤثرة في مجرى الأحداث.
المفارقة هنا أن حزب الله الذي يدرجه البعض على لائحة التنظيمات الإرهابية صار شريكا في الحرب الدائرة ضد الإرهاب و«داعش»، وأن حزب الله الذي هوجم وتعرض لحملات بسبب قتاله في سورية الى جانب النظام، تجاوز مسألة عودته من سورية وصار التعاطي معها على أنها بعيدة المنال طالما الأزمة السورية طويلة ولا أفق لها، فقد نجح حزب الله هذا العام في سحب موضوع ذهابه الى سورية من التداول وفي تحويل الأنظار الى موضوع آخر هو الإرهاب وتمدد «داعش» من العراق الى سورية وحدود لبنان، وعزز خطر «داعش» مكانة حزب الله في لبنان وأكد على صوابية سياسته وخياراته في محاربة الإرهاب وشن حرب وقائية استباقية ضده ومقاتلته في سورية حتى لا يصل الى لبنان.