Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
الرواية الكاملة لعملية «تحرير» سجن رومية الوقائع الأمنية... والدلالات السياسية
14 يناير 2015
المصدر : بيروت
خطة اقتحامه جاهزة وكادت تنفذ في أغسطس
بعد تسلمه وزارة الداخلية، حدد الوزير نهاد المشنوق سجن رومية هدفا رئيسيا من أهدافه الأمنية مدرجا إياه على اللائحة السوداء كبؤرة أمنية خطرة ومصدر تهديد وابتزاز.
فهذا السجن يحوي عددا كبيرا من السجناء والمتشددين «الإسلاميين» أوقفوا على عدة مراحل، بينهم موقوفو «فتح الإسلام» إثر معركة مخيم نهر البارد، وأنصار الشيخ أحمد الأسير إثر عملية عبرا في صيدا، إضافة الى مجموعات أخرى أوقفت تباعا ومتهمة بالتورط في إدخال سيارات مفخخة من سورية الى لبنان والتخطيط لعمليات إرهابية وتنفيذها.
وبين هؤلاء «رؤوس كبيرة» مثل نعيم عباس وعمر الأطرش وجمال دفتردار وبلال ابرهيم (أبو عبيدة) ومحمد صالح زواوي (أبو سليم طه) وحسام صباغ ومحمد يوسف (أبو الوليد) وبلال كايد (الفلسطيني) وعبد الملك عبد السلام (الأردني)، وإضافة الى احتوائه «سجناء خطرين»، فإن الوضع في سجن رومية يكتسب خطورة زائدة بسبب وجود ثغرة أمنية كبيرة فيه تتمثل في وجود تقنيات اتصال بيد السجناء، ما يجعلهم قادرين على التواصل مع الخارج وإدارة عمليات أمنية وغير أمنية من داخل السجن ويحوي أكثر من طاقته على التحمل، إذ على رغم أن مساحته لا تتسع لأكثر من 1500 شخص فإن عدد نزلائه يفوق الـ 3500 سجين.
«المبنى ب» في السجن تحول الى «إمارة» مع وصول عدد الموقوفين الإسلاميين الى نحو ثلاثمائة موقوف أقاموا في الطابق الثالث قاعدتهم وغرفة عملياتهم الإلكترونية الحديثة مستخدمين أحدث وسائل التواصل، كما يدير الإسلاميون شبكة أمنية تنظيمية لها امتداداتها في سجون ومناطق لبنانية، والى جانب عمليات الفرار المنظمة التي نجح بعضها وأخفق بعضها الآخر، والقوى الأمنية كانت ممنوعة عمليا من دخول «المبنى ب» حيث يفرض الإسلاميون قوانينهم ويتحكمون بإدارة الوضع، وما ساعدهم في ذلك الفساد السائد في مؤسسات الدولة وتورط أو تواطؤ بعض العناصر الأمنية أحيانا والنقص في عناصر الأمن واستخدام بعض رجال الدين والسياسة نفوذهم للضغط على القيمين على السجن.
كان الوزير نهاد المشنوق يتحين اللحظة «الأمنية والسياسية» المؤاتية لإنهاء الوضع الشاذ في سجن رومية الذي ظل عصيا على المعالجة لأسباب كثيرة منها عدم توافر القرار والغطاء السياسي والتهيب من عملية تنطوي على مخاطرة أمنية ومساءلة سياسية، «الخطة» معدة منذ أشهر وموضوعة في درج وزير الداخلية وكادت تنفذ في اغسطس الماضي ولكنها تأجلت بسبب أحداث عرسال واختطاف العسكريين.
وكادت تنفذ أيضا ليلة إعدام العسكري المخطوف علي البزال ولكنها تأجلت مرة ثانية بسبب العملية الأمنية المباغتة في طرابلس، الى أن وضعت أخيرا قيد التنفيذ واتخذ المشنوق القرار الصعب مستندا الى عاملين أساسيين في اختيار التوقيت المناسب: - وقوع التفجير الانتحاري المزدوج في جبل محسن، وهذا التفجير يصلح غطاء دخانيا وذريعة أمنية لتنفيذ العملية، ولكنه شكل الدافع المباشر بعد رصد اتصالات وتنسيق بين أحد الانتحاريين ومجموعة في السجن.
٭ توافر القرار السياسي على ثلاثة مستويات: الغطاء الرسمي الذي أمنه رئيس الحكومة تمام سلام الذي أطلعه المشنوق على العملية قبل ساعات من حصولها، والغطاء السياسي الذي أعطاه الرئيس سعد الحريري، إضافة الى الإرادة السياسية التي يعكسها حوار المستقبل حزب الله في مواصلة تطبيق الخطة الأمنية وإقفال الثغرات تباعا، نجحت عملية تحرير سجن رومية فكانت أولا عملية نظيفة من دون إراقة دماء وتمت بطريقة مدروسة ومحترفة، وانتهت بنقل الموقوفين الإسلاميين من المبنى «ب» الى المبنى «د» المجهز لاستيعابهم وبتفكيك هذه المجموعات وتجريدها من عناصر قوتها ومن كل وسائل الاتصال والهواتف والآلات الحادة. ولعبت ثلاثة عوامل في إنجاح هذه العملية الأمنية: طوق «التكتم والسرية» الذي ضرب حول العملية، فلم يعلم بها إلا مسؤولون أمنيون من الحلقة الضيقة وخلية العمل.
٭ عنصر المباغتة والمفاجأة الذي اعتمد في إدخال القوة الضاربة في قوى الأمن الداخلي (الفهود) في ساعة مبكرة بطريقة أدت الى إرباك السجناء وشل قدرتهم على الشغب والتصدي للقوة المهاجمة.
٭ وجود تغطية سياسية كاملة، وهذا ما يفسر كيف أن العملية جرت وانتهت من دون ارتفاع أصوات معترضة أو منددة، ومن دون حدوث تحركات على الأرض «باستثناء تحركات خجولة وعابرة في طرابلس وصيدا» كما كان يحصل سابقا وكل مرة كانت تطرح مسألة ضبط الوضع في السجن.
أما في القراءة السياسية لعملية سجن رومية فيمكن الخروج باستنتاجين أساسيين: الأول: الإنجاز الأمني الجديد للحكومة يحتسب بالدرجة الأولى إنجازا شخصيا لوزير الداخلية نهاد المشنوق الذي تقدم حيث لم يجرؤ الآخرون وأخذ على عاتقه ومسؤوليته تنفيذ قرار جريء ينطوي على «مخاطرة».
وفي الواقع فإن المشنوق الرجل السياسي الآتي الى وزارة أمنية حساسة يثبت أداء متميزا يجمع بين «الحزم الأمني» و«الذكاء السياسي»، وذهابه الى جبل محسن للمشاركة في تشييع ضحايا الانفجار خطوة لا تقل أهمية ودلالة عن خطوة ذهابه الى سجن رومية لترؤس غرفة العمليات والمتابعة عن كثب لكل التفاصيل، والوزير المشنوق لا يقوم فقط بدوره كوزير للداخلية وإنما بدور سياسي متقدم كرأس حربة لتيار المستقبل في معركته ضد التطرف والإرهاب.
وبهذين «الدور والأداء» بات يحظى بثقة الفريق الخصم «8 آذار» وثنائه، وبات الوزير «الطموح والواقعي» يشق طريقه بخطى ثابتة الى رئاسة الحكومة إذا ظلت في يد المستقبل، وإذا ظلت الظروف والموانع تحول دون عودة الرئيس سعد الحريري.
الثاني: عملية سجن رومية يمكن أن تعد من أولى ثمار الحوار الجاري بين المستقبل وحزب الله الذي يدور في مرحلته الأولى، مرحلة إعادة بناء الثقة، في النطاق الأمني، ومن المتوقع أن تكون الخطوة التالية هي تطبيق خطة البقاع الشمالي وتعزيز سلطة قوى الأمن الداخلي هناك بمؤازرة الجيش وفي ظل رفع الغطاء السياسي «والحزبي» عن المجموعات والعشائر، أما ما خص موضوع «سرايا المقاومة» فإن حزب الله يرفض فكرة حلها ويتجاوب مع فكرة ضبطها وتحديدا في صيدا، إن عملية سجن رومية وإنهاء أسطورته ووضعه الشاذ ما كانت لتحصل لولا مظلة الحوار السياسية.