Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
الحراك الشعبي المفاجئ في لبنان.. أكثر من انتفاضة وأقل من ثورة
29 أغسطس 2015
المصدر : بيروت
يبدو أن الحكومة في نهاياتها والحراك الشعبي في بداياته. جلسة الحكومة الخميس، مع أنها كانت هادئة ومنتجة، بدت كما لو أنها الجلسة الأخيرة. فوزراء حزب الله وتكتل الإصلاح والتغيير اتخذوا قراراهم بعدم حضور جلسات مجلس الوزراء إلا بعد الاتفاق على آلية عمل الحكومة واتخاذ القرارات داخلها، وعلى موضوع التعيينات العسكرية. والرئيس تمام سلام بناء على نصيحة الرئيس نبيه بري وطلبه، لن يحدد موعدا لجلسة جديدة مادام وزراء حزب الله وعون مقاطعين، وهو ليس في وارد المضي قدما في تحد واستفزاز. وأما جلسة أمس الأول التي غاب عنها الوزراء الستة، فإنها لم تكن استفزازية وإنما مررت بطريقة توافقية وإن كان «توافقا سلبيا»، بمعنى أن غياب الوزراء أتاح تمرير قرارات ضرورية وملحة وأعفاهم من الإحراج الذي كانوا سيواجهونه فيما لو أصروا على الدخول في إشكالية الآلية وحملوا مسؤولية وتبعات عدم تأمين رواتب الموظفين أو ضياع الهبات. ولذلك فإن الغياب لم يكن سلبيا في مردوده ولكنه مؤشر سلبي الى المرحلة المقبلة، ويعلن أن مسيرة الحكومة توقفت عند هذا الحد ولا جلسات جديدة لمجلس الوزراء تعقد بغياب مكونين أساسيين.
الحكومة مرتبكة جدا ومتخبطة في أدائها: فض عروض مناقصات، النفايات، والإعلان عن خاتمة سعيدة للمشكلة، ثم الإعلان عن إلغاء المناقصات بسبب الأسعار الباهظة. رفع جدار اسمنتي عازل بين السرايا والشعب ثم إزالته بعد 24 ساعة وبعدما كلف الخزينة 32 ألف دولار، ورئيس الحكومة تمام سلام في وضع لا يحسد عليه ويشعر أنه متروك وأن لا أحد يساعده فعلا، وأن الكل يحاصرونه ويضيقون عليه الخناق بأشكال وطرق متعددة. ليس وحده العماد ميشال عون من يزعج سلام ويضغط عليه، النائب وليد جنبلاط أيضا عندما يقرر إقفالا نهائيا لمطمر الناعمة بعدما كان وعد بإبقائه مفتوحا الى حين إيجاد حل لمشكلة النفايات، وأيضا عندما يهاجم جنبلاط وزير الداخلية نهاد المشنوق ويدعوه الى الرحيل وهو يعلم أن المشنوق هو الرجل القوي في الحكومة والدعوة الى رحيله تساوي الدعوة الى رحيل الحكومة، والرئيس بري أيضا يحرج سلام ويحشره أكثر مما يريحه عندما يسارع الى انتقاد مناقصات النفايات وعندما يلح على سلام بتجميد المراسيم العادية وعدم نشرها.
الارتباك لا يقتصر على الرئيس سلام، وإنما يصل أيضا الى قوى 14 آذار وتيار المستقبل الذي لا يعرف حتى الآن ماذا يجري بالضبط في الشارع وليس لديه تقييم واضح ونهائي للخلفيات والأبعاد، وتحليله يبدأ من نطاق محلي صرف وانتفاضة استقلال ثانية ليصل الى أفق إقليمي وربط ما يجري بتداعيات مرحلة ما بعد الاتفاق النووي. وحتى حركة الشارع لا قرار لدى المستقبل بالتعاطي معها لا سلبا ولا إيجابا، والى حد بدا الأمر كما لو أنه ترك لحلفائه حرية اتخاذ القرار. وهذا ما يفسر كيف أن اليسار الديموقراطي الذي هو جزء من 14 آذار مشارك في التظاهرات في حين أن قوى أخرى أساسية مستنكفة، لا بل مشككة ومرتابة من أبعاد هذا الحراك الشعبي الذي بدأ صغيرا بسيطا وكبر بسرعة في فترة قصيرة ليصبح «أكثر من انتفاضة وأقل من ثورة».
هذا الحراك الذي يتحدد مساره ومصيره في تظاهرة اليوم، بدوره يواجه تحديات كثيرة: التوتر الطائفي، الاستغلال السياسي، الشغب والتخريب المفتعل من قبل بعض الأطراف السياسية، والتداخل الحاصل بين الأزمة السياسية التي عنوانها الرئيسي الشغور الرئاسي، والذي يختزل عناوين وعوامل لا تحصى، وبين الحراك الشبابي الاحتجاجي على أزمة النفايات، والذي تدحرج وكبر مثل كرة الثلج ليشكل تعبيرا عن سخط المواطن اللبناني العادي على فساد الطبقة السياسية وعجزها واستئثارها بمقدرات البلاد. والخيط الرفيع الذي يحتم التداخل بين تلك الحركة الاحتجاجية المستقلة وعوامل الأزمة السياسية التي يلخصها الشغور الرئاسي وما استتبعه من شلل في المؤسسات، يبقى قائما لأن بإمكان الفرقاء الذين ينوون ركوب الموجة أن يجعلوا من انضمامهم إليها ومصادرة شعاراتها، على الرغم من أن بعضها كان موجها ضدهم، منصة تحرفها عن أصولها.